دوله الاسلام في الاندلس - عنان، محمد عبد الله - الصفحة ١٦١
كبير زعمائها، وتغلب على إشبيلية وإستجة وكثير من نواحى الغرب [٢] ، والتف
حوله أهل هذه الأنحاء واستفحل أمره.
فسار إليه عبد الرحمن، ونشبت بينهما
معارك عنيفة مدى أيام، ودافع الثوار عن أنفسهم بمنتهى البسالة، حتى كادت
الدائرة تدور على عبد الرحمن، ولكن التفرق دب أخيراً إلى صفوف الثوار، ولحقهم الإعياء والملل، فوقعت عليهم الهزيمة، وفر زعيمهم حيوة، وكتب
إلى عبد الرحمن يلتمس منه العفو والأمان (سنة ١٤٤هـ - ٧٦١م) [٢] .
وعلى أثر ذلك نشبت الثورة في طليطلة.
وكان عبد الرحمن قد اختار لولايتها
تمام بن علقمة، ثم عينه لحجابته فكان أول حجابه، وخلفه في ولاية طليطلة
حبيب بن عبد الملك.
وكانت المدينة ما تزال تضطرم بعناصر الثورة وفيها كثير من
أنصار الفهرية، فلم يلبث أن قام زعيمهم هشام بن عزرة الفهرى، ولد عزرة
أمير الأندلس السابق، وأعلن الثورة وامتنع بالمدينة.
فسار إليه عبد الرحمن
وحاصره مدى أشهر، حتى اضطر إلى طلب الصلح، وقدم ولده رهينة بحسن
طاعته، فأجابه عبد الرحمن إلى طلبه، وآثر أن يهادنه مؤقتاً.
ولكنه ما كاد يصل
إلى قرطبة حتى عاد هشام إلى الثورة، فارتد إليه عبد الرحمن ليعاقبه على نكثه، وحاصره ثانية وقتل ابنه، وأطلق رأسه بالمنجنيق داخل الأسوار، ولكنه لم يظفر
بحمل الثاثر على التسليم، فعاد إلى قرطبة ليضاعف أهباته، بيد أنه لم يستطع أن
يعود تواً إلى طليطلة، إذ نمى إليه عندئذ خبر حادث داهم الخطر يتطلب كل
جهوده وقواه.
ذلك أن داعية من خصوم بني أمية هو العلاء بن مغيث اليحصبى [٣] ، وكان
من وجوه باجة وله بها رياسة وعصبة، كاتب أبا جعفر المنصور، واتصل برسله
(١) كورة " الغرب " كانت تقع غربى إشبيلية، حتى جنوبى البرتغال ما بين لبلة وولبة
والمحيط، وقد حرفت في الإفرنجية إلى كلمة Algarve.
[٢] البيان المغرب ج ٢ ص ٥٣، والمقرى ج ٢ ص ٧٣.
ويذكر كوندى أن حيوة بن
ملامس كان بالعكس صديقا حميما لعبد الرحمن، وبالغ في الاحتفاء به يوم نزوله بإشبيلية، وأنه توفى
بعد ذلك بقليل فرثاه عبد الرحمن بأبيات مؤثرة (Conde: ibid, V.
I.
p.
١٧٩) ، ولكن كوندى يخلط
هنا في الوقائع.
والحقيقة أن حيوة بن ملامس كان من أصدقاء عبد الرحمن لأول مقدمه وكانت له لديه
منزلة، وينقل إلينا ابن الأبار بيتين ينسب قولهما إلى عبد الرحمن في امتداح حيوة وجوده ووفائه
(الحلة السيراء ص ٣٣ و٣٤) .
ولكنه غدا بعد من ألد خصومه ومنافسيه.
وله أخبار أخرى ستجىء.
[٣] وقيل الحضرمى (أخبار مجموعة ص ١٠٧) .
والجذامى (البيان المغرب ج ٢ ص ٥٣) .