دوله الاسلام في الاندلس - عنان، محمد عبد الله - الصفحة ١٥٥
الأندلس الحقيقى مراحل بعيدة، وكان ملك الأندلس قد غدا منذ انحلال الخلافة
الأموية، كما رأينا، نهباً مشاعاً يتنازعه الزعماء والمتغلبون، وكانت الفتن المتوالية
قد عصفت بالسلطة العليا، واقتصت من أطرافها، واستقل الزعماء الأقوياء
بكثير من النواحى، وقضى يوسف الفهرى معظم ولايته في إخماد الفتنة، واستخلاص الرياسة، ولكنه لم يوفق إلى إخماد كل عناصر النزاع والخروج.
فلما
ظهر الفتى الأموى في الميدان، كان صرح الأندلس يهتز فوق دعائمه الواهنة، وكان توطيده يتطلب كثيراً من العزم والعمل القوى.
وكان يوم المسارّة حاسما في مصاير الأندلس، وكان فاتحة عهد جديد فى
تاريخها.
ولكن المهمة كانت فادحة، والمعركة شاقة مشعبة النواحى.
وكما أن يوم
المسارة كان فاتحة الظفر، فقد كان فاتحة الكفاح أيضا.
ذلك أن الأندلس كانت
يومئذ بسيطاً من الفتن المتأججة، وكانت الثورة تجثم في كل ناحية، وانحلت عرى
العصبية القديمة الشاملة، وانتثرت فرقا وشيعا صغيرة، فلم تبق الخصومة قاصرة
على المضرية واليمنية فقط، ولكن غدت كل قبيلة وكل بطن تلتف حول زعامتها
ومصالحها الخاصة.
وكانت هذه القوى المنتثرة المستقلة برأيها وهواها، تتمسك
باستقلالها المحلى، وتأبى الخضوع لأية سلطة عامة.
وكان عبد الرحمن يرمى إلى
إحياء دولة الإسلام في الأندلس موحدة متماسكة، كما كانت قبل أن تمزقها
الحرب الأهلية، فكانت المعركة في الواقع معركة الدولة والإمارات المستقلة، معركة السلطة المركزية والإقطاع المحلى: معركة الرياسة الشاملة، والعصبية
المتناثرة.
وكان البربر عنصراً قوياً في الفتنة، يحتفظون دائماً ببغضهم القديم
للعرب، ويحرصون على ما انتزعوه منهم خلال الفتنة من النواحى والضياع.
ثم
كان هنالك ما هو أشد خطراً على دولة الإسلام في الأندلس، ونعنى اسبانيا
النصرانية التي استطاعت أن تخرج سراعاً من غمر الهزيمة والفوضى، وأن تنتظم
إلى مملكة جديدة في الشمال، وكذلك مملكة الفرنج القوية التي استطاعت أثناء الفتنة
أن تنتزع الأراضي الإسلامية فيما وراء البرنيه.
وكان نصارى الشمال والفرنج
يتربصون يومئذ بالأندلس، ويرون في تفرقها وضعفها فرصة صالحة للعمل، ويتصلون بكثير من الزعماء والخوارج، ويمدونهم بالنصح والعون، ويتخذونهم
وسائل لتحقيق مشاريعهم في تمزيق الأندلس وانتزاع أطرافها.