دوله الاسلام في الاندلس - عنان، محمد عبد الله - الصفحة ١٤٩
الرواية الإسلامية في شأنه.
ويتفق معظم المؤرخين المسلمين، مثل الطبرى، وابن الأثير، وابن خلكان، وابن خلدون [١] على أن " السفاح " إنما هو لقب
أبى العباس عبد الله بن محمد أول الخلفاء العباسيين.
ويذكر لنا الطبرى وابن الأثير
كيف أن أبا العباس، هو الذى أطلق على نفسه هذا اللقب حينما ألقى خطابه الأول
بمسجد الكوفة على أثر مبايعته بالخلافة، إذ تال للناس في ختام خطابه -: "فاستعدوا
فأنا السفاح المبيح، والثائر المنيح " [٢] .
ولكن هناك روايات أخرى ومنها رواية
قديمة هى رواية صاحب " أخبار مجموعة في فتح الأندلس " تذكر لنا أن لقب
"السفاح " لم يطلق على أبي العباس ولكنه أطلق على عمه عبد الله بن على [٣] .
ولهذه
الرواية ظاهر من الوجاهة فيما ارتكبه عبد الله بن على من الفتك الذريع ببنى أمية، وتتبعهم بالقتل في سائر الأنحاء دون هوادة.
ولكن من الذى يحمل في الواقع تبعة
هذه المطاردة الدموية المروعة؟ إن الذى أوصى بمطاردة بني أمية والفتك بهم هو
أبوالعباس ذاته، وهو أول من اجتنى ثمار الجريمة، وتلقى تراث القتلى، ولم يكن
عمه عبد الله بن على سوى منفذ لإرادته وأمره، وعلى ذلك فهو أحق بأن
يحمل ذلك اللقب الذى يتفق مع تبعاته ونتائج لسياسته، وهو لقب يخصه به
جمهرة من الثقاة المؤرخين.
ولكن هذه المطاردة الدموية الشاملة لم تجتث الشجرة من أصلها، وشاء القدر
أن تفلت بعض فروعها من يد الجناة، وأن تزكو لتستعيد أصلها الراسخ فى
أرض أخرى.
وكان ممن نجا من المذبحة الهائلة فتى من ولد هشام بن عبد الملك
هو عبد الرحمن بن معاوية بن هشام.
وكان وقت أن حلت النكبة بأسرته يقيم مع
أهله وأخوته، في قرية تعرف بدير خنان من أعمال قنسرين، وفيها كان مولده
قبل ذلك بنحو عشرين عاماً سنة ١١٣ من الهجرة (٧٣١ م) ، وقيل بل كان
مولده بالعليا من أعمال تدمير.
وتوفى أبوه معاوية شاباً في أيام أبيه هشام بن
[١] راجع الطبرى ج ٩ ص ١٢٣، وابن خلكان في الوفيات ج ١ ص ٣٥٤؛ وابن
الأثير ج ٥ ص ١٤٥ و١٥٥، وابن خلدون ج ٣ ص ١٢٨ و١٣١ و١٧٣.
[٢] الطبرى ج ٩ ص ر ١٣٢؛ وابن الأثير ج ٥ ص ١٥٥.
[٣] راجع " أخبار مجموعة في فتح الأندلس " ص ٤٨؛ وراجع أيضا كتاب الإمامة
والسياسة ج ٢ ص ١٤٨.