أدب الطبيب - الرهاوي، اسحق بن علي - الصفحة ٥٨ - القول فيحس السمع و الأشياء الموافقة له
أميال[١]. و ذلك انه في أول الأمر الحال فيهما من الحرارة أقرب منهما الى الاعتدال فيما بينهما و بين البرد، و قال ثم أنه يجب ضرورة أن لا يكون في تلك المدينة هواء غليظ و ذلك ان الشمس تمنع من ذلك اذا طلعت فوقع شعاعها عليه لأن الهواء الغليظ انما يكون في كل واحد من الأوقات في الغدوات على الأمر الأكثر و أحذر الألحاح على تأمل الأنوار القوية الساطعة كجرم الشمس و ما عظم من النيران فأن ذلك لضعف نور البصر و تفرقه و كذلك يفعل البياض الساطع فانه يفرق البصر كما ان اللون الأسود يجمعه، و كذلك يجب أن يحذر الإدمان على الاعمال الدقيقة و الخط الدقيق فان ذلك يضعف البصر أيضا و مما ينقي العينين تنقيتهما و غسلهما و خاصة بعد النوم و حفظهما مما يرد اليهما، و من العرق النازل اليهما و لا بأس من يتعاهدهما بما قواهما من الاكحال كالأثمد[٢] و نظيره و قد يفعل ذلك ايضا النظر الى المبصرات المحمودات و النافعات كالخضر و انواع النبات النضرة. و على ما ذكرته لك فقس و أعدل ببصرك أيها العاني بمصلحته مع توفرك على جميع هذه الأشياء الى قراءتك[٣] في الكتب و الالتذاذ بفوائدها فان هذه هي أول النعم التي وجهها لك باريك تعالى و أوصلك اليها بنور عينيك فعليك و علينا ان نحمده كثيرا و نسبحه دائما و نصرف ابصارنا عن المحذورات و المذمومات لتدوم هذه النعمة لنا و علينا.
القول فيحس السمع و الأشياء الموافقة له
و كذلك يجب ان تنظر في آلة السمع فانها حاسة لطيفة أيضا محتاجة في تمام فعلها الى الهواء لان بتوسطه تصل المسموعات اليها مما تحمله الأصوات كالاقاويل و النغم و الألحان و الأخبار و بالجملة جميع المسموعات، فلذلك يجب ان نعنى بالهواء الذي هو الواسطة كالعناية التي وصيت بها في حاسة البصر و أخص العناية ينبغي أن تكون بالهواء الذي داخل الأذن فان به يتم الاستماع اولا ثم بالهواء الخارج عن الأذن باتصال أحدهما بالآخر فاحذر
[١] وردت في الاصل( سبع ميل) و الصحيح ما اثبتناه.
[٢] الاثمد هو نوع من الكحل و معدنه الانتيمون. يقوّي عصب العين و ينشف قروحها و يقوّي الاجفان خاصة.
( ابن هبل- المختارات ٢/ ٢٤).
[٣] وردت في الاصل( قراؤك) و الصحيح ما اثبتناه.