أدب الطبيب - الرهاوي، اسحق بن علي - الصفحة ٥٧ - القول فيحاسة البصر و ما يوافقها
مقدار شرفها و نفعها و حثهم على علمها و خاصة مع أن تكسبهم و تعيشهم بها و منها ممن لا يشتاق بما أذكره و لا يتحرك به لقراءة[١] كتبها و التأدب بآدابها فهو الخاسر نفسه و دينه جميعا. فارجع بنا أيها المحب للحق الى ما كنا فيه و أفهم ما أقوله. أقول ان القدماء قد بينوا ان إدراك حاسة البصر للمبصرات انما يتم بنفوذ النور الباصر الواصل الى العين في الهواء المضىء حتى ينفذ و يتصل بالمبصرات فتدركها القوة الباصرة و تتخيلها القوة المخيلة للنفس، و كيفية هذا التصوير و القول فيه و حكاية ما رأته القدماء في ذلك لا يليق بهذا الموضع[٢] ذكره لطوله و صعوبة مرامه .. فأما هاهنا فانا نقول إنه إذا[٣] كان الأمر على ما قيل، و ما هو مشاهد أيضا من الهواء و الضوء جميعا هما واسطة بين الباصر و المبصر و لا يمكن وصول صور المبصرات الى حاسة البصر دونهما فيجب أن تجتهد في تعديلهما و إصلاحهما ليصح لحاسة البصر إدراكها. فالهواء قد يقبل الضياء و قد يعدمه، و الضياء فقد ينفذ نفوذا مستقيما في الهواء و قد يتعذر نفوذه و ذلك لأن الهواء قد يغلظ و يتكدر بما يخالطه من البخارات الرطبة و اليابسة فيعوق بذلك نفوذ النور فيه كذلك ايضا يعرض لنور البصر عند كدر الهواء ألا ينفذ فيه نفوذا مستقيما و لا يدرك المبصرات إدراكا حقيقيا فبواجب إذا ينبغي لك ان تعنى باصلاح الهواء المحيط بك و تجتهد ألا يفسده عليك بخار و لا دخان و لا غبار، و اجتهد ايضا في ان يكون سكنك موضوعا قبالة الرياح الشرقية فان المدن التي وضعها هذا الموضع هي أقرب الى الاعتدال[٤] لذلك هواها أصح و أرق و أشد صفاء و لذلك نجد بقراط يفضل هذه المدن على غيرها و يقول، قال[٥] بقراط في الموضع الشرقي من المدن في كتابه في البلدان و المياه هذا القول و اما ما كان من المدن موضوعا قبالة الرياح التي فيها بين مطالع الشمس الصيفية و بين مطالعها الشتوية و ما كان موضوعا منها على ضد ذلك فهذه هي الحال فيهما اما ما كان منها موضوعا قبالة مطالع الشمس فيجب ان تكون تلك المدن أصح من المدن الموضوعة قبالة الشمال، و من المدن الموضوعة قبالة الرياح الحارة [و لما] كان البعد فيما بينهما ليس هو الا مقدار اسطاذيون[٦] واحد و هو عند اليونانيين سبعة
[١] وردت في الاصل( قراة) و الصحيح ما اثبتناه.
[٢] وردت في الاصل( الموضوع) و الصحيح ما اثبتناه.
[٣] وردت في الاصل( اذأ) و الصحيح ما اثبتناه.
[٤] وردت في الاصل( الاعتدل) و الصحيح ما اثبتناه.
[٥]( قال) لا ضرورة لها و الارجح انها من خط الناسخ.
[٦] اسطاذيون تعبير يوناني في الابعاد.