أدب الطبيب - الرهاوي، اسحق بن علي - الصفحة ٢٠٥ - الباب العشرين فيما ينبغي للطبيب ان يدخره و يعده من وقت صحته لوقت مرضه و من زمان شبابه الى زمان شيخوخته
نفوسهما و اجسامهما. و ان التمس كسب الدراهم من الضعفاء، و تعذر ذلك من جهتهم لفقرهم ثم امتنع عنهم كان في ذلك إضرارا بهم، فتأمل ايها الموسر ما يدخل على الضعيف و الطبيب و عليك في نفسك من الضرر الذي لا يتلافى من استعمال الشح و الجور، و احذره فأن هلاك النفوس مقرون (بهذا)[١] فأحذر ايها الطبيب من الشح بصناعتك ان شح ذوو اليسار بمالهم عليك و على ضعفائهم، فان مالهم ينفد و مالك باق[٢] فأبقيت، فلذلك يكون يسارك و عزّك و الحاجة اليك مبقية دائما عليك. فأحذر من استعمال الجور فأنه عن جنبتي العدل فان اصبت المال و مصالحك فلا تفرط في ذلك فتستعمل التبذير بل صن الدرهم و احفظه لوقت حاجتك اليه اذ كنت انما تصل الى مصالحك به، فانك ان احتجت في وقت الشيخوخة و وقت المرض اليه و لم تجده مذخورا عندك، ثم التمسته من الناس و خاصة من اشحائهم حل بك ما هو اعظم من الم الشيخوخة المرض.
ففي الخروج عن الاعتدال الى التبذير من المضار ما ذكرته، و حسبك به وبالا. و اما الخروج عن العدل الى الضبط و الشح على النفس و الاهل بما كسبته ايها الطبيب من الدرهم ففيه من المضار ما لا يحصى كثرة، فاولها انك تكون فقيرا من مصالحك انت و اهلك و ولدك مدة حياتك، و من تخلّف له مالك و ما تعبت فيه فانه يصفك بشحك و يذمك دائما.
و ايضا فانك متى كنت للمال جامعا عرضت نفسك للمكاره بل للتلف اذ كان طالبوه كثير فلعلمهم بشحك عليه يهلكونك مع أخذه، فصن نفسك و جسمك بلزوم العدل و استعمال الاعتدال من تكسبك للمال، و من نفقته، بل في ساير افعالك تنج بذلك من الآثام و تكون منزلتك منزلة الكرام. و اللّه بجوده و كرمه يبلغنا و أياك افضل الرتب الشريفة عنده و هو حسبنا وحده.
تمّ الكتاب بمعونة اللّه تعالى و حسن توفيقه و له الحمد دائما سرمدا. كتبه لنفسه و لمن شاء اللّه تعالى بعده.
العبد الراجي رحمة ربه و غفرانه عبد اللّه بن المكين.
عبد اللّه بن عبد السلام بن ربيع الاسرائيلي اللاوي عفى اللّه عنه و عن والديه و غمر الرحمة عليه و ذلك في مدة عشرين يوما في ساعات مفرقة منها آخرهن ليلة الجمعة ثاني عشر شعبان سنة ثمان و اربعين و سبعمائة.
[١] كلمة( بهذا) من عندنا، اضفناها ليستقيم المعنى.
[٢] ( ٢١١ ب) وردت في الاصل( باقي) و الصحيح ما اثبتناه.