أدب الطبيب - الرهاوي، اسحق بن علي - الصفحة ٢٠٤ - الباب العشرين فيما ينبغي للطبيب ان يدخره و يعده من وقت صحته لوقت مرضه و من زمان شبابه الى زمان شيخوخته
القطن مثلا كسوة و ما اشبه ذلك، و ذلك لا يتم الا بفلاحتها و العناية بتنقيتها و ساير مصالحها و زراعتها و سقيها و ما لا يتم له عرض الا به من اعمالها فبذلك تكتسب قوتا و سترا و كنا له و لمن سواه. و من كان من الاطباء يحتاج ان يعافي تدابير اهل المدن و يعدوا الى عيادة مرضاهم مع كثرتهم و ترفهم فبغير شك انه لا يمكنه اقتناء مصالحه بجسمه، و لا بمعاناة صناعة اخرى غير صناعة الطب فيكتسب منها أقواته لانه بذلك ينقطع عن علمه و صناعته فيصير ضارا قتالا اكثر من ضرر الامراض فقد بقي اذا ان يكون للطبيب مادة يكتسبها من جهة صناعته و ممن يدبرهم بها في حفظ صحة اصحائهم و في معالجة مرضائهم، و من المعلوم ان من الناس فقراء و منهم مياسير، و قد اوجب المنعم تبارك و تعالى على اهل النعم الاحسان و الافضال على الفقراء و المساكين بما غرس في قلوبهم و عقولهم من العدل و الرحمة، فلذلك يجب على الموسر الذي قد اسبغ اللّه عليه نعمه، و على الطبيب الذي قد شرفه اللّه بفضل علمه ان يستعملا العدل مع الفقراء و الضعفاء ليكون نفع صناعة الطب عاما شاملا للقويّ و الضعيف. و وجه العدل و ابتدائه ينبغي ان يكون من الطبيب اولا و ذلك بأن يروض نفسه و يأخذها دائما باستعمال الاخلاق المحمودة و الافعال المرضية من الرحمة و الرأفة و الرفق و العفة و القناعة و الشجاعة و السخاء و الصدق و كتمان السر و جميع ما جانس ذلك من فضايل النفس و آدابها مع الاجتهاد و في اقتناء صناعته و درس كتبها و المعاناة لاعمالها و بذلها للناس كافة، و لا يفرق في ذلك بين صديقه و عدوه، و لا بين موافقه و مخالفه. و اما وجه العدل من الموسر فهو ان يستعمل النصفة مع طبيبه و اذا كان يعلم ان اجتهاده في اضاعة المال و ساير مصالحه انما هو لاجل حاجته و حاجة عائلته اليه، و يعلم ايضا ان الطبيب محتاج[١] الى مثل ذلك. و قد انتفع الموسر بما يملكه الطبيب في صناعته في نفسه و نفوس اهله، فمن الواجب اذن[٢] ان يقوم الموسر للطبيب بمصالحه من قوته و كسوته و دراهمه التي بها يصل الى مصالح نفسه و جسمه.
و متى لم يستعمل الموسر ما ذكرناه من العدل اضطر الامر للطبيب الى ان يستعين على إصابته مصالحه من أوجه أخر، فان تشاغل بصناعة اخرى ليكتسب منها و بها الدراهم عدل عن صناعة الطب فقلّ فهمه و علمه بها و دخل الضرر على الموسر و الضعيف في
[١] وردت في الاصل( محتاجا) و الصحيح ما اثبتناه.
[٢] وردت في الاصل( اذا) و الصحيح ما اثبتناه.