أدب الطبيب - الرهاوي، اسحق بن علي - الصفحة ١٣٢ - الباب الثامن فيما للاصحاء و المرضى جميعا يفتقده و يضمروه للطبيب في وقت الصحة و وقت المرض
مقتني صناعة الطب عن العقلاء الافاضل مؤثري الصلاح لذواتهم هو أشد الناس عندهم تقدما و ارفعهم منزلة و اجلّهم قدرا و أصدقهم قولا و لست أشير الى من يتسمى بالطب و هو عادم لمعناه اذ كانوا هؤلاء بالهوان أحق من الإكرام لاستحسانهم الكذب و رضاهم لنفوسهم بالمحال لكني أرى ان الكرامة واجبة لمن عرف قدر ما وهبه اللّه جلّ و عزّ له من جزيل النعمة و علوّ القدر أعني ما تفضل به على نوع الانسان من علم صناعة الطب لعنايته و رحمته له. و لما من بهذه الصناعة على نوع الانسان و لم يكن جملة اشخاصه يصلحون لتعلمها خصّ به آحادا افاضل، عقولهم صافية و قرائحهم حادة، محبون للخير رأوفون بأبناء نوعهم ذوي رحمة و عفة و لذلك وجب على من خصّه اللّه بهذه النعمة ان يدمن بشكره و يحسن عبادته يخلص له المحبة. و بغير شك ان أخيار الناس و أفاضلهم يوجبون على نفوسهم لهذه الطائفة من الأطباء الاكرام و الاعظام. و ان من ازرى على هؤلاء و وضع منهم و جحدهم حقوقهم فقد جحد نعم اللّه و أحلّ منّته و استخف بإحسانه و لم يشك عاقل[١] في ان فاعل ذلك بنفسه استخف و على جمله يأس[٢] و من اول دليل على جملة ما نراه عن المريض كيف لا يلتفت الى والد و لا الى ولد و لا يرجو الصلاح من صديق و لا حميم لكنه يستغيث باللّه و بالطبيب فاذا خلص من مرضه نسيّ الطبيب و استهان بحقه و ليس ذلك فعل من ينبغي ان يعد في عداد المذكورين بالعقل بل بالبهيمية فبهذا اشبه و اوصافها به اولى و كم من ناس قد بغضوا الأطباء و كرهوا قربهم فضلا عن ان يحبوهم و يكرموهم لاجل منعهم لهم من شهواتهم و تحذيرهم لهم من اتباعهم للذاتهم فلذلك يكرهون اجتماعهم معهم و يسبونهم و يكرمون دائما من تابعهم الى شهواتهم و فضل عندهم لذاتهم و استعمل معهم الملق فاكثر الترداد الى منازلهم و مايلهم بالخدمة لهم فيما يهوونه و المحادثة بما يستحسنونه. و لما علم اهل الخداع و الحيل من الاطباء بما ينفق على كل صنف من اهل اليسار و الرئاسة من هذه الخدع يعملوا لصيدهم بذلك المعنى فكانت هذه الحيلة لهم بمنزلة الشبكة للصياد.
و اذا كان الأمر على ما ذكرنا و امتحان ذلك سهل على من أراد تفقده و تأمل ما قد نصب من الفخاخ و الشباك و أنواع المصايد أعني بذلك ما يتّزيا به اهل الحيل من الزّي و ما يعظمون لنفوسهم المجالس و يتخذون من الالات و الامتعة في الدكاكين التي قد كبّروها و زخرفوها
[١] وردت في الاصل( عاقلا) و الصحيح ما اثبتناه.
[٢] وردت في الاصل( يئس) و الصحيح ما اثبتناه.