أدب الطبيب - الرهاوي، اسحق بن علي - الصفحة ١٢٧ - الباب السابع فيما ينبغي للطبيب ان يسأل عنه لمريض و غيره ممن يتولى خدمته
ذلك طبيبا رأى مريضا به إسهالا قويا و لم يكن عنده علم بأسباب الاسهال فان منه ما ينبغي ان يقطع و منه ما لا ينبغي ان يقطع بل منه ما يجب معاونة الطبع على دفعه فبغير شك ان ذلك الطبيب يبقى حائرا دهشا فأما إن كان حاذقا فسينظر الى لون البراز و قوامه و ما يجده من روائحه فان وجده مثلا أصفر استدل بأن صفراء قد اندفعت مع البراز فيحضر خاطره أسباب اندفاع الصفراء و يسمع من المريض او من خدمه ما يقولونه من شكاوى المريض فان وجدهم يذكرون اسبابا للاسهال غير تلك فيقولون مثلا ان الذي أحدث الاسهال أكل اشياء حاره حريفة او ادمان شرب شراب حرف او ما شابه ذلك تعلق بما سمعه منهم مع ما وجده من لون البراز و غيره و جعل جميع ذلك مبدأ يبحث منه عن السبب فما بان لحسه لم يسأل عنه و ما لم يبن لحواسه سأل عنه بعد ان يستعمل الاستدلال فإن سأل المريض هل هذا الاسهال البحران مثلا ضحك منه و هزئ به فقس على ما ذكرناه و اجعله لك اصلا و قانونا تستدل منه و تستخرج علم ما تسائل عنه المريض و الصحيح في تعرف حالاتهم و بغير شك ان من كان له ذكاء و فطنة سينتفع بما ذكرناه نفعا عظيما و ذلك بما يحثه و يبعثه الى تعلم طرق الاستدلال و معرفة اصناف العلامات فيصير بذلك ماهرا بالمساءلة[١] للمرضى و التعرف لحالات الأبدان و كثيرا من حالات النفوس فقد اتضح اذا نفع هذا المبدأ الثاني اعني ما يتشكاه و ينطق به المريض من شكواه[٢] و صار هذا المبدأ تابعا للمبدأ الاول المقدم قبله و هو معرفة الطبيب لما تقع عليه حواسه و صارا متقدمين في المرتبة و الطبع لما يريد ان يسأل عنه الطبيب للمريض اذ كانت المساءلة للمريض انما تجب بعد ان يشاهد حاله او يشتكي المريض حالة ما الى الطبيب فحينئذ يأخذ الطبيب في تعرف تلك الحال و يبدأ بعلمها من جنسها و يقسم انواع ذلك الجنس بفصوله القاسمة للأنواع و المحدثة لها فيستدل من تلك الفصول و الخواص الملازمة للانواع على صورها و بعد ذلك يأخذ في البحث عن اسبابها و عللها الموجبة لحدوثها ليتم له بذلك إزالتها و حسمها و مساءلة الطبيب للمريض هاهنا يقع الاضطرار اليها في مواضع كثيرة و ذلك ان ما لا يدركه حس الطبيب من الأسباب و لا أخبره به المريض و لا نقل اليه خبره من خدم المريض او غيرهم من المخبرين الثقات فبغير شك انه هو يحتاج ان يسأل عنه المريض او لمن يخدمه و يقدر على الجواب. و مثال ذلك ان طبيبا
[١] وردت في الاصل( بالمسائلة) و الصحيح ما اثبتناه.
[٢] وردت في الاصل( شكلانه) و الصحيح ما اثبتناه.