أدب الطبيب - الرهاوي، اسحق بن علي - الصفحة ١٢٨ - الباب السابع فيما ينبغي للطبيب ان يسأل عنه لمريض و غيره ممن يتولى خدمته
استدعي الى مريض به اسهال فرأى صورة المريض و تعرف من لون برازه انه عن صفراء مفرطة و كذلك استدل ايضا من سنه و من الزمان الحاضر و من سحنة المريض و عمله على ان جميع هذه قد اوجبت كثرة الصفراء في بدنه اذ كان سنه سن الشباب و الزمان زمان القيظ و سحنته تدل على ان مزاجه حار يابس و كان مع ذلك عمله بعض اعمال النار فقد صح للطبيب من جهة الحواس معرفة بعض اسباب المرض و لانه لم يشاهد هذا المرض قبل ذلك الوقت فبغير شك لا بد له من مساءلة المريض او من يخدمه عن اشياء كثيرة لم يقدر عليها من جهة الحس منها معرفة زمان ابتداء المرض ليعلم من ذلك كم قد مضى من الزمان منذ ابتدأ و الى ذلك الوقت فيعلم كم مقدار ما نقصت و كم بقي بحسب قوة المرض و ضعفه من الثبات و منها ايضا معرفة مقادير المجالس و تواترها و هل تختلف في الكثرة و القلة ليلا او نهارا و منها معرفة بقية الاسباب التي يظهر له الحس من ذلك مساءلته عن اغذية ذلك المريض ما كانت و كم كان مقدارها و اوقاتها و ترتيبها و كذلك اشربته و منها هل سقي دواء او كان له تدبير اوجب ذلك مما يعلمه المريض و اشباه هذه الاشياء فاذا هو وجد الاسباب الموجبة لذلك الاسهال الصفراوي قد تشابهت صح عنده علم سبب المرض و ايضا فاذا كان المرض مثلا حمى غبّ قد اوجب كونها هذه الاسباب على ما قلناه قبل و وجد الاسهال قد حدث في وقت بحران المريض فقد اتضح له ان الاسهال هو لبحران ذلك المريض من مرضه. و قد يضطر الطبيب في اوقات الى مساءلة من يخدم المريض لا الى المريض، و ذلك لأسباب تقطع المريض عن الجواب اما لانه قد أسكت او ناله غشى او ما شاكل ذلك و ايضا فقد يحتاج الطبيب في اوقات الى معرفة اشياء يضطر الى معرفتها في علاج المريض من غير اهل المريض و ذلك كطبيب غريب دخل الى بلد لم يكن عنده معرفة بوضع ذلك البلد و لا بهوائه و لا بمياهه و أشباه هذه الأمور فدعي لعلاج مريض فبغير شك ان الضرورة تدعوه الى تعرف هذه الأشياء من أطباء البلد و اهل الخبرة بها اذ كان علمها لا يصح و لا يمكنه الا بعد زمان طويل (و تقصي شافي) اذ كان من الامراض امراض بلديّة و امراض وافدة و امراض شخصية و مما يضطر الطبيب الى مساءلة[١] من هم أبعد من اهل البلد في بعض الأحايين من اصابه في حرب بينهما مثلا او من استأمن او غيرهم ممن يميز هل سهامهم مسمومه ام لا فيعمل بحسب ذلك. فقد بان ان هذه المساءلة للمرضى و الأصحاء و امثالها واجبة ضرورية لنفعها في
[١] وردت في الاصل( مسائلة) و الصحيح ما اثبتناه.