التقوى فى القرآن دراسة فى الاثار الاجتماعية - الحيدري، السيد كمال - الصفحة ١١٧ - تساؤل مهم
في تناقضات القوى البدنية، وتزاحمات اللذائذ المادية، وعذِّب أشدّ العذاب بنفس ما يرى فيه سعادته ولذّته، فمن المشاهد المعاين أنّ الدنيا كلّما زادت إقبالًا على
الإنسان، ومتّعته بكثرة الأموال والأولاد، أبعدته عن موقف العبودية، وقرّبته إلى الهلاك وعذاب الروح، فلا يزال يتقلّب بين هذه الأسباب الموافقة والمخالفة، والأوضاع والأحوال الملائمة والمزاحمة، فالذي يسمّيه هؤلاء الغافلون سعة العيش، هو بالحقيقة ضنك وضيق كما قال تعالى: وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكاً وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى قَالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمَى وَقَدْ كُنتُ بَصِيراً قَالَ كَذلِكَ أَتَتْكَ آيَاتُنَا فَنَسِيتَهَا وَكَذلِكَ الْيَوْمَ تُنسَى[١].
فغاية إعراض الإنسان عن ذكر ربّه، وانكبابه على الدنيا، يبتغي به سعادة الحياة وراحة النفس ولذّة الروح، أن يعذّب بين أطباق هذه الفتن التي يراها نعماً، ويكفر بربّه بالخروج عن زيّ العبودية، كما قالت الآية: إِنَّمَا يُرِيدُ اللهُ لِيُعَذِّبَهُمْ بِهَا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا
وَتَزْهَقَ أَنفُسُهُمْ وَهُمْ كَافِرُونَ[٢].
وهو الإملاء والاستدراج اللذان ذكرهما الله في قوله سَنَسْتَدْرِجُهُمْ مِنْ حَيْثُ لَا يَعْلَمُونَ وَأُمْلِي لَهُمْ إِنَّ كَيْدِي مَتِينٌ (الأعراف: ١٨٣ ١٨٢)».[٣]
وقد أشارت آيات سورة «فاطر» إلى جملة هذه السنن الإلهية، الحاكمة
[١] -() طه: ١٢٦ ١٢٤.
[٢] -() التوبة: ٥٥.
[٣] -() الميزان، مصدر سابق، ج ٩ ص ٣٠٨.