التقوى فى القرآن دراسة فى الاثار الاجتماعية - الحيدري، السيد كمال - الصفحة ١٧٦ - أنفعية المعرفة الأنفسية
الوجه الثاني: وهو معنى أدقّ مستخرج من
نتائج الأبحاث الحقيقية في علم النفس، وهو أنّ النظر في الآيات الآفاقية والمعرفة الحاصلة من ذلك، نظر فكري وعلم حصولي بخلاف النظر في النفس وقواها وأطوار وجودها والمعرفة المتجلّية منها، فإنه نظر شهودي وعلم حضوري، والتصديق الفكري يحتاج في تحقّقه إلى نظم الأقيسة واستعمال البرهان، وهو باق ما دام الانسان متوجهاً إلى مقدماته، غير ذاهل عنها ولا مشتغل بغيرها، ولذلك يزول العلم بزوال الإشراف على دليله، وتكثر فيه الشبهات ويثور فيه الاختلاف.
وهذا بخلاف العلم النفساني بالنفس وقواها وأطوار وجودها، فإنّه من العيان، فإذا اشتغل الإنسان بالنظر إلى آيات نفسه، وشاهد فقرها إلى ربّها، وحاجتها في جميع أطوار وجودها، وجد أمراً عجيباً، وجد نفسه متعلّقة بالعظمة والكبرياء، متصلة في وجودها وحياتها وعلمها وقدرتها وسمعها وبصرها وإرادتها وحبّها وسائر صفاتها وأفعالها، بما لا
يتناهى بهاءً وسناءً وجمالًا وجلالًا وكمالًا من الوجود والحياة والعلم والقدرة وغيرها من كلّ كمال»[١].
وذلك لأنّ البرهان العقلي قائم على أنّ المعلول وكلّ شأن من شؤونه هو عين الفقر والحاجة إلى علّته، فإذا وقف الإنسان على هذه الحقيقة عياناً وشهوداً، فإنّه لا يمكنه إلّا أن يقف على خالقه وقيومه وهو الحق تعالى،
[١] -() الميزان، مصدر سابق، ج ٦ ص ١٧٠.