شرح نهج البلاغه ابن ميثم - البحراني، ابن ميثم - الصفحة ٢٧٨ - الخطبة الثانية و الثمانين ألقاها لإثبات ثمانى صفات من صفات الجلال
المرتبة الثانية مرتبة من له الأمر ان الأوّلان دون الثالث أعنى التأثير في عالم الطبيعة،و هذه مرتبة أصحاب اليمين و تحتها مراتب.
فأحدها:مرتبة من له استعداد طبيعىّ لاستكمال قوّته النظريّة دون العمليّة الثانية:من اكتسب ذلك الاستكمال في قوّته النظريّة اكتسابا تكليفيّا دون تهيّؤ طبيعىّ و لا حصّة له في أمر القوّة العمليّة.
الثالثة:مرتبة من ليس له تهيّؤ طبيعىّ و لا اكتساب تكليفى في قوّته النظريّة و له ذلك التهيّؤ في القوّة العمليّة.
الرابعة:مرتبة من له تكلّف في إصلاح الأخلاق و اكتساب الملكات الفاضلة دون تهيّؤ طبيعىّ لذلك.
إذا عرفت ذلك فاعلم أنّ للمقرّبين البالغين في الملكات الشريفة لذّات عظيمة في الجنّة قد فازوا بنعيم الأبد و السرور الدائم في حضرة جلال ربّ العالمين «فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ عِنْدَ مَلِيكٍ مُقْتَدِرٍ» غير مخرجين عن لذّاتهم لهم «فِيهٰا مٰا تَشْتَهِيهِ الْأَنْفُسُ وَ تَلَذُّ الْأَعْيُنُ» و هم «فِيهٰا خٰالِدُونَ» كما قال عليه السّلام: لا يظعن مقيمها .جرد عن عوارض الأبدان و شوائب الموادّ مرد عن مزاحمة القوى المتغالبة المتجاذبة المؤّدية إلى الهرم و الموت مكحّلين بالأنوار الساطعة ينظرون إلى ربّهم بوجوههم المفارقة،وَ أَمّٰا «أَصْحٰابِ الْيَمِينِ فَسَلاٰمٌ لَكَ مِنْ أَصْحٰابِ الْيَمِينِ» و لهم لذّات دون الوصول إلى مرتبة السابقين،و قد يخالط لذّات هؤلاء شوب من لذّات المقرّبين كما اشير إليه في التنزيل الإلهىّ في وصف شراب الأبرار« «وَ مِزٰاجُهُ مِنْ تَسْنِيمٍ عَيْناً يَشْرَبُ بِهَا الْمُقَرَّبُونَ» و لكلّ من المراتب كمال يخصّه و درجات من السعادة في الجنّة تخصّه كما قال«ل «هُمْ دَرَجٰاتٌ عِنْدَ اللّٰهِ» »و قال« «يَرْفَعِ اللّٰهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجٰاتٍ» »و قال« «لَهُمْ غُرَفٌ» مبنيّة «مِنْ فَوْقِهٰا غُرَفٌ» «تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهٰارُ» ».
و إذا عرفت ذلك فلنرجع إلى المتن فنقول:أمّا قوله : لا ينقطع نعيمها فلقوله تعالى «وَ أَمَّا الَّذِينَ سُعِدُوا فَفِي الْجَنَّةِ خٰالِدِينَ فِيهٰا مٰا دٰامَتِ السَّمٰاوٰاتُ وَ الْأَرْضُ إِلاّٰ مٰا شٰاءَ رَبُّكَ عَطٰاءً غَيْرَ مَجْذُوذٍ» و قوله «إِنَّ هٰذٰا لَرِزْقُنٰا مٰا لَهُ مِنْ نَفٰادٍ» و لأنّ الكمال الّذى حصل للإنسان فاستحقّ به سعادة في الجنّة ملكات ثابتة في جوهره لا تزول