شرح نهج البلاغه ابن ميثم - البحراني، ابن ميثم - الصفحة ٢٣٦ - الخطبة الثمانين تسمى الغراء يذكر فيها بعض نعوت جلاله،و الوصيّة بتقوى اللّه و التنفير عن الدنيا،و بعض مباحث المعاد الجسمانىّ
الْمَنِيَّةُ اخْتِرَاماً- وَ لاَ يَرْعَوِي الْبَاقُونَ اجْتِرَاماً يَحْتَذُونَ مِثَالاً- وَ يَمْضُونَ أَرْسَالاً إِلَى غَايَةِ الاِنْتِهَاءِ وَ صَيُّورِ الْفَنَاءِ
[اللغة]
قوله: الرنق : الكدر .و الردغ : الوحل و التراب المختلط بالماء .و يونق : يعجب .
و يوبق : يهلك .و غرور : خدعة مستغفلة للأذهان .و الحائل : المنتقلة المحتولة .و قمصت الدابّة : رفعت يديها و طرحتهما و عجنت برجليها .و قنصت : صادت .و أقصدت : أصابت القصد .
و الأوهاق : جمع وهق بالفتح و هو الحبل .و الضنك : الضيق .و أقلع عن الشيء : امتنع منه .
و الاخترام : الموت دون المدّة الطبيعيّة .و ارعوى : كفّ و رجع و حذا حذو فلان : فعل فعله .
و أرسال : جمع رسل بالفتح و هو القطيع من الغنم يتبع القطيع .و صيّور الأمر : ما يرجع إليه منه .
[المعنى ]
و مدار هذا الفصل على التنفير عن الدنيا بذكر معايبها و ما يؤول إليه،و ذكر لها أوصافا:
الأوّل:كونها رنق مشربها.
و هو كناية عن كدر لذّاتها بشوائب المصائب من الهموم و الأحزان و الأعراض و الأمراض .
الثاني:
استعارة كونها ردغ مشرعها .و مشرعها محلّ الشروع في تناولها و الورود في استعمالها،و كونه ردغا وصف للطريق المحسوس استعير له.و وجه المشابهة كون طريق الإنسان في استعمال الدنيا و التصرّف فيها ذات مزالق و مزالّ أقدام تهوى به إلى جهنّم لا يثبت فيها إلاّ قدم عقل قد هجّر في ضبط قواه و قهر سطوة شياطينه كما أنّ الطريق ذات الوحل كذلك.و هو من لطائف إشاراته عليه السّلام .
الثالث:
كونها يونق منظرها،و يوبق مخبرها .و هو إشارة إلى إعجابها لذوى الغفلة بزينتها الحاضرة مع هلاكهم باختبارها و ذوقهم لحلاوتها و غرض الالتذاذ بها .
الرابع:
كونها غرورا حائلا .يروى بفتح الغين و ضمّها.و معنى الأوّل ذات غرور:أى تغرّ الخلق بزخارفها فيتوهّمون بقاءها ثمّ تنتقل عنهم و تحوّل،و من روى بالضمّ جعلها نفسها غرورا:و الغرور يطلق على ما يغترّ به حقيقة عرفيّة .
الخامس:
كونها استعارة ضوء آفلا استعار لفظ الضوء لما يظهر منها من الحسن في عيون الغافلين يقال على فلان ضوء:أى له منظر حسن،أو لما ظهر لهم من وجوه مسالكها