شرح نهج البلاغه ابن ميثم - البحراني، ابن ميثم - الصفحة ١٠٥ - الخطبة الأربعين ألقاها في بيان معنى الوفاء و الصدق
العفّة متلازمتان،و لمّا كان التوأم هو الولد المقارن لولد آخر في بطن واحد اشبهه الوفاء لمقارنته الصدق تحت العفّة،فاستعار لفظه له. ثمّ لمّا كانت فضيلة الوفاء مقابلة برذيلة الغدر و فضيلة الصدق مقابلة برذيلة الكذب و رذيلتا الغدر و الكذب أيضا توأمين تحت رذيلة الفجور المقابلة لفضيلة العفّة .
[قوله:و لا أعلم جنّة أوقى منه.]
قوله: و لا أعلم جنّة أوقى منه.
حكم ظاهر فإنّ الوفاء وقاية تامّة للمرء أمّا في آخرته فللاستتارة به من عذاب اللّه الّذي هو أعظم محذور،و أمّا في دنياه فللاستتارة به من السبّ و العار و ما يلزمه عدم الوفاء من الغدر و الكذب الملطخين لوجه النفس.و إذا علمت أنّه لا نسبة لشيء ممّا يجتنّ منه بالأسلحة و غيرها إلى ما يتوقّى بالوفاء علمت أنّه لا جنّة أوقى من الوفاء،و ممادح الوفاء و مذامّ الغدر كثيرة قال اللّه تعالى «الَّذِينَ يُوفُونَ بِعَهْدِ اللّٰهِ وَ لاٰ يَنْقُضُونَ الْمِيثٰاقَ» ١وَ الذين يوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذٰا عٰاهَدُواالآية و قال في تمدّحه بالوفاء «وَ مَنْ أَوْفىٰ بِعَهْدِهِ مِنَ اللّٰهِ» قال و مَنْ «نَكَثَ فَإِنَّمٰا يَنْكُثُ عَلىٰ نَفْسِهِ وَ مَنْ أَوْفىٰ بِمٰا عٰاهَدَ عَلَيْهُ اللّٰهَ فَسَيُؤْتِيهِ أَجْراً عَظِيماً» ٢و من الخبر في ذمّ الغدر:لكلّ غادر لواء يعرف به يوم القيامة .
[و قوله:و لا يغدر من علم كيف المرجع.]
و قوله: و لا يغدر من علم كيف المرجع.
أقول:العلم بكيفيّة المرجع إلى اللّه تعالى و الاطّلاع على منازل السفر إليه و على أحوال الآخرة الّتي هى المستقرّ صارف قوىّ عن ارتكاب الرذائل الّتي من جملتها الغدر و إنّما خصّ الغدر بنسبة أهله إلى الجهل بأمر المعاد لكونه في معرض مدح الوفاء و الترغيب فيه .
[قوله:و لقد أصبحنا في زمان.إلى قوله:الحيلة]
قوله: و لقد أصبحنا في زمان. إلى قوله: الحيلة.
أقول:إنّما اتّخذ أهل الزمان الغدر كيسا و نسبهم كثير إلى حسن الحيلة لجهل الفريقين بثمرة الغدر و لعدم تمييزهم بين الغدر و الكيس فإنّه لمّا كان الغدر كثيرا ما يستلزم الذكاء و الفطنة لوجه الحيله و ايقاعها بالمغدور به و كان الكيس أيضا عبارة عن الفطانة و الذكاء وجودة الرأى في استخراج وجوه المصالح الّتي تنبغى كانت بينهما مشاركة في استلزام مفهوميها للتفطّن و الذكاء في استخراج وجه الحيلة و ايقاع الآراء
١) ١٣-٢٠
٢) ٤٨-١٠