شرح نهج البلاغه ابن ميثم - البحراني، ابن ميثم - الصفحة ٣٥٩ - في وصف الملائكة الّذين هم أشرف الموجودات الممكنة بكمال العبوديّة للّه
الّتى تحبس الأقدام على حيث انتهت من الحدود إلى حكمة اللّه الّتى أعطت كلاما يستحقّه و قصرت كلّ موجود على حدّه،و بهفوفها إلى لطف تصرّفها و جريانها في المصنوعات .
العشرون:
قد استفرغتهم أشغال عبادته إلى قوله:و شيجه خيفته:أى لم يجعل لهم فراغا لغيرها،و قد علمت أنّ تحريك الملائكة السماويّة لأجرام الأفلاك الجارية لها مجرى الأبدان بحركة إراديّة و شوقيّة للتشبّه بالملائكة المتوسّطة بينها و بين الحقّ سبحانه في كمال عبادتهم له و تلك الحركات الدائمة الواجبة مستفرغة لهم عن الاشتغال بغيرها كما قال «يُسَبِّحُونَ اللَّيْلَ وَ النَّهٰارَ لاٰ يَفْتُرُونَ » و حقايق الايمان تصديقهم الحقّ بوجوده عن شاهد وجودهم و ظاهر كونه سببا لإرادة معرفته التامّة و الدوام عليها و إبراز ما في قوّتهم من الكمال بها إلى الفعل فإنّ التصديق بوجود الشيء الواجب تحصيله أقوى الأسباب الباعثة على طلبه.فصار الإيمان و التصديق الحقّ اليقين بوجوده وسيلة جامعة بينه و بين معرفته و الاستكمال بها و قاطعا لهم إلى الوله إليه و العشق له و ثبات الرغبات على ما عنده دون غيره ، استعارة مرشحة-استعارة بالكناية و لمّا استعار لفظ الذوق لتعقّلاتهم و لفظ الشرب بما تمكّن في ذواتهم في عشقه و كمال محبّته رشّح الاستعارة الاولى بذكر الحلاوة و كنّى بها عن كمال ما يجدونه من اللذّة بمعرفته كما يلتذّ ذايق الحلاواة بها،و الثانية بذكر الكأس الرويّة إذ من كمال الشرب أن يكون بكأس رويّة:أى من شأنها أن تروى،و كنّى بها عن كمال معرفتهم بالنسبة إلى غيرهم و كذلك رشّح استعارة لفظ القلوب بذكر سويدائها إذ كان من كمال تمكّن العوارض القلبيّة كالمحبّة و الخوف أن يبلغ إلى سويدائه استعارة ،و أشار بوشيجة خيفته إلى العلاقة المتمكّنة من ذواتهم لخيفته و هى كمال علمهم بعظمته،و لفظ الخيفة مستعار كما سبق لانقهارهم في ذلّ الإمكان عند اعتبار عزّه و قهره .
الحادى و العشرون:
مجاز من باب إطلاق لاسم المسبّب على السبب فحنوا بطول الطاعة اعتدال ظهورهم .تجوّز بانحناء الظهور في كمال خضوعهم في عبادتهم و هو إطلاق لاسم المسبّب على السبب .
الثاني و العشرون:
و لم ينفذ طول الرغبة إليه مادّة تضرّعهم .لمّا كان من شأن أحد إذا رغب في أمر إلى بعض الملوك و فزع فيه إليه بالتضرّع و الخدمة أن ينقطع تضرّعه