شرح نهج البلاغه ابن ميثم - البحراني، ابن ميثم - الصفحة ٣٣٢ - الخطبة الثامنة و الثمانين تعرف بخطبة الأشباح
القسم الأوّل:المحجوبون بمجرّد الظلمة
و هؤلاء هم الملحدة الّذين لا يؤمنون باللّه و هم صنفان:فصنف منهم طلبوا للعالم سببا فأحالوه على الطبع و قد علمت أنّ الطبع صفة جسمانيّة مظلمة خالية عن المعرفة و الإدراك،و صنف منهم لم يتفرّغوا لذلك و لم يتنبّهو الطلب السبب بل اشتغلوا بأنفسهم و عاشوا عيش البهايم فكانوا محجوبين بكدورات نفوسهم و شهواتهم المظلمة و لا ظلمة أشدّ من الهوى و لذلك قال اللّه تعالى «أَ فَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلٰهَهُ هَوٰاهُ» ١و قال النبىّ صلى اللّه عليه و آله و سلّم:الهوى أبغض إله عبد على وجه الأرض.
و تحت هؤلاء فرق كثيرة لا حاجة إلى ذكرها.
القسم الثاني:المحجوبون بنور مقرون بظلمة
و هم ثلاثة أصناف:
فصنف منهم
منشأ ظلمته الحسّ،
و صنف منهم منشأها الخيال،و صنف منهم منشأها مقايسات عقليّة فاسدة.فالأوّلون أيضا طوائف:
الاولى:عبدة الأوثان
فإنّهم علموا على سبيل الجملة أنّ لهم ربّا و أوجبوا إيثاره على أنفسهم و اعتقدوا أنّه أعزّ و أنفس من كلّ شيء،و لكنّهم حجبوا بظلمة الحسّ عن أن يتجاوزوا العالم المحسوس في إثبات ربّهم فاتّخذوا من أنفس الجواهر كالفضّة و الذهب و الياقوت أشخاصا مصوّرة بأحسن صورة و جعلوها آلهة فهؤلاء محجوبون بنور العزّ و الجلال من صفات اللّه لكنّهم وضعوها في الأجسام المحسوسة فصارت حجبهم أنوارا مكدّرة بظلمة الحسّ إذ الحسّ ظلمة بالإضافة إلى عالم المعقولات.
الثانية:طائفة ترقّوا عن رتبة الأحجار فكانوا أدخل من عبدة الأوثان في ملاحظة
الأنوار
كما يحكى عن قوم من أقاصى الترك ليس لهم ملّة و لكن يعتقدون أنّ لهم ربّا هو أجمل الأشياء فإذا رأو إنسانا في غاية الجمال أو فرسا أو شجرا عبدوه،و قالوا:هو ربّنا فهؤلاء محجوبون بنور الجمال مع ظلمة الحسّ أيضا.
الثالثة:طائفة ترقّوا عن هؤلاء و قالوا:ينبغي أن يكون الربّ نورانيّا في
صورته ذا سلطان في نفسه مهيبا لا يطاق القرب منه،
و لم يترقّوا عن درجة المحسوس فعبدوا النار إذ وجدوها بهذه الصفات فهؤلاء محجوبون بنور السلطنة و البهاء و كلّ ذلك من
١) ٤٥-٢٢.