شرح نهج البلاغه ابن ميثم - البحراني، ابن ميثم - الصفحة ٣٠٦ - الخطبة الخامسة و الثمانين ألقاها في توبيخ الامّة على اختلاف آرائهم
[فقوله:أمّا بعد.إلى قوله:ببصير .]
فقوله: أمّا بعد.إلى قوله:ببصير.
صدر الخطبة و كأنّه عليه السّلام فهم ممّن خرجت هذه الخطبة بسببه أنّهم إنّما يستبدّون بآرائهم من دون مراجعة عن كبر منهم على التعلّم و الاستفادة و محبّة الراحة من تحمّل كلفة التحرّى في الدين و التحرّز من الغلط فيه و مشقّة الطلب فلذلك خوّفهم من حال الجبابرة و أن تصيبهم بترك قواعد الدين إلى آرائهم المتفرّقة فيستعدّوا للهلاك بقوله : إنّه لم يقصم جبّارى دهر إلاّ بعد إمهالهم و رخائهم فإنّهم إذا امهلوا و انغمسوا فيما هم فيه من الرخاء و الترف أعرضوا عن الآخرة و نسوا ذكر اللّه تعالى فاستعدّوا بتركهم لقوِانين الدين الّتى بها نظام العالم للهلاك و نحوه قوله تعالى «وَ إِذٰا أَرَدْنٰا أَنْ نُهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنٰا مُتْرَفِيهٰا فَفَسَقُوا فِيهٰا فَحَقَّ عَلَيْهَا الْقَوْلُ فَدَمَّرْنٰاهٰا تَدْمِيراً» ١و كذلك استعارة بالكناية قوله : و لم يجبر عظم أحد من الامم إلاّ بعد أزل و بلاء .كنّى بجبران العظم عن قوّتهم بعد الضعف كناية بالمستعار، و صدق هذه القضيّة ظاهر فإنّ أحدا من الامم المتّبعين لأنبيائهم أو لملوكهم في إظهار دين أو طلب ملك لن يصلوا إلى مطلوبهم إلاّ بعد قوّتهم و تضاعفهم و تظاهر بعضهم ببعض و معاناة بلاء أثر بلاء بحيث يستعدّون بذلك للفزع إلى اللّه تعالى فيهيّىء قلوبهم لقبول الالفة و يعدّها باجتماع عزائمها لقبول صورة النصر ،و فيه تنبيه على وجوب الاتّحاد في الدين و عدم تشتّت الآراء فيه فإنّ ذلك يدعو إلى التحزّب و التفرّق و يدخل عليهم الوهن و الضعف و كلّ ذلك ضدّ مطلوب الشارع كما سبق، كناية و يحتمل أن يكنّى بقوله:
لم يقصم جبّارى دهر .عن جبّارى وقته كمعاوية و أصحابه،و بقوله: لم يجبر عظم أحد من الامم إلاّ بعد أزل و بلاء .عن أصحابه فنبّههم بالكلمة الاولى على أنّ اولئك الجبّارين و إن طالت مدّتهم و قويت شوكتهم فإنّما ذلك إملاء من اللّه لهم ليستعدّوا به للهلاك، و بالكلمة الثانية على أنّكم و إن ضعفتم و ابتليتم فذاك عادة اللّه فيمن يريد أن ينصره ثمّ عقّب ذلك بتوبيخهم على الاختلاف و تشعّب الآراء و المذاهب في الدين لما أنّ ذلك يؤدّى إلى طول محنتهم و ضعفهم عن مقاومة عدوّهم.
[و قوله:و في دون ما استقبلتم من عتب ]
و قوله: و في دون ما استقبلتم من عتب :أى من عتابى لكم و استدبرتم من خطب:
١) ١٧-١٧.