شرح نهج البلاغه ابن ميثم - البحراني، ابن ميثم - الصفحة ٣٠٤ - الخطبة الرابعة و الثمانين ألقاها في بيان صفات المتّقين
كان تداولهم للاشتغال بها مؤدّيا إلى الخبط و افتراق المذاهب و تشتّت الكلمة و الاشتغال بذلك عن الانتظام في سلك الدين و الاتّحاد فيه كما عليه من ينتسب إلى العلم بعده و كلّ ذلك منه مطلوب الشارع فإنّ الالفة و الاتّحاد في الدين من أعظم مطلوباته و يحتمل أن يريد مطلق دقايق العلم و تفريع الفقه على غير قانون من إمام هدى بل الرأى عن أدنى وهم.
[القسم الثاني]
منها:حَتَّى يَظُنَّ الظَّانُّ أَنَّ الدُّنْيَا مَعْقُولَةٌ عَلَى؟بَنِي أُمَيَّةَ؟- تَمْنَحُهُمْ دَرَّهَا وَ تُورِدُهُمْ صَفْوَهَا- وَ لاَ يُرْفَعُ عَنْ هَذِهِ الْأُمَّةِ سَوْطُهَا وَ لاَ سَيْفُهَا وَ كَذَبَ الظَّانُّ لِذَلِكَ- بَلْ هِيَ مَجَّةٌ مِنْ لَذِيذِ الْعَيْشِ يَتَطَعَّمُونَهَا بُرْهَةً- ثُمَّ يَلْفِظُونَهَا جُمْلَةً
[اللغة]
أقول: معقولة: محبوسة .و المجّة: الفعلة من مجّ الشراب إذا قذفه من فيه .و البرهة:
المدّة من الزمان فيها طول .و لفظ كذا:ألقاه من فيه.
[المعنى ]
و هذا الكلام من فصل يذكر فيه حال بنى اميّة و طول مدّتهم و بلاء الخلق بهم فقوله: يظنّ الظانّ .إلى قوله: سيفها .غاية من غايات طول عناء الناس معهم استعارة-مجاز استعمالا للفظ السبب في المسبّب-استعارة بالكناية و استعار للدنيا أوصافا:
أحدها:كونها معقولة ،و وجه الاستعارة ملاحظة شبهها بالناقة في كونها محبوسة في أيديهم كما تحبس الناقة بالعقال.
الثاني:كونها ذات درّ نمنحهم إيّاه ،و وجه الاستعارة أيضا تشبيهها بالناقة في كون ما فيها من فوائدها و خيرها مهيّئة لهم و مصبوبة عليهم كما تبذل الناقة درّها حالبها.
الثالث:كونها توردهم صفوها ،و نسبة الايراد إليها مجاز،و تجوّز بالسوط و السيف فيما فيه الامّة معهم من العذاب و القتل و نحوه استعمالا للفظ السبب في المسبّب و قوله : و كذب الظانّ لذلك. إلى آخره ردّ لما عساه يظنّ من ذلك بتحقير ما حصلوا عليه من الأمر و لذّتهم به و تحقير مدّته ،و استعار لذلك لفظ المجّة ،و كنّى بكونها مطعومة لهم عن تلذّذهم هامدة إمرتهم ،و بكونها ملفوظة عن زوال الآخرة عنهم،و أكّد