شرح نهج البلاغه ابن ميثم - البحراني، ابن ميثم - الصفحة ٢٥١ - دفع ما يتوهم من الشبهة في المعاد الجسمانىّ
تذكير بنعمة اللّه تعالى بخلق الأبدان،و ما تشتمل عليه من المنافع.ففائدة الأسماع أن تعى ما خلقت لأجله،و فايدة الأبصار أن يدرك بها الإنسان عجايب مصنوعات اللّه تعالى فيحصل له منها عبرة. استعارة و لفظ العشا يحتمل أن يكون مستعارا لظلمة الجهل العارض لإبصار القلوب حتّى يكون التقدير لتجلو عشا قلوبها،و حينئذ فإدراك البصر المحصّل عبرة يحصل للقلب به جلاء لذلك العشا فصحّ إذن إسناد الجلاء إلى الأبصار،و يحتمل أن يكون مستعارا لعدم إدراكها ما تحصل منه العبرة إذ كانت فايدتها ذلك فإذا لم يحصل منها ذلك الإدراك كانت كمبصر أصابه العشا،و وجه المشابهة عدم الفائدة.و نسبة الجلاء إليها بوجود الإدراك المفيد عبرة عنها و هو استعارة أيضا .و عن ليست بزايدة لأنّ الجلاء يستدعى مجلوّا و مجلوّا عنه فذكر عليه السّلام المجلوّ و أقامه مقام المجلوّ عنه فكأنّه قال:لتجلو عن قواها عشاها .و أمّا فايدة البدن و أعضائه فقد أشرنا إليه قبل مفصّلا،و قوله : قائمة بأرفاقها :أى أنّ كلّ بدن قائم في الوجود بحسب ما عنى له من ضروب المنافع .
[و قوله:و قلوب رائدة.إلى قوله:سترها عنكم.]
و قوله: و قلوب رائدة.إلى قوله:سترها عنكم .إظهار لمنّة اللّه تعالى على عباده بخلقه لهم و هدايته لنفوسهم لارتياد أرزاقهم الّتى بها قوام حياتها الدنيا و تمكّنها من إصلاح معادها ثمّ باعتبار كونهم في مجلّلات نعمه و سوابغها.فمنها:ستره عليهم قبائح أعمالهم أن تظهر،و هو اجس خواطرهم بعضهم لبعض بحيث لو اطّلع كلّ على ماله في ضمير صاحبه من الغلّ و الحسد و تمنّى زوال نعمته لأفنى بعضهم بعضا و خرب نظام وجودهم . و موجبات مننه :نعمه الّتي يستوجب أن يمنّ بها.و من روى بفتح الجيم فالمراد بالمنن إذن النعم و موجبات ما سقط منها و افيض على العباد . و حواجز عافيته :ما منع منها عوامل الأمراض و المضارّ المندفعة بها،و إنّما ذكر ستر كميّة الأعمار في معرض المنّة لأنّه من النعم العظيمة على العبد إذ كان اطّلاع الإنسان على كميّة عمره ممّا يوجب اشتغال خاطره بخوفه من الموت من عمارة الأرض و يبطل بسببه نظام هذا العالم .
[و قوله:و خلّف لكم عبرا.]
و قوله: و خلّف لكم عبرا.
وجه من منن اللّه تعالى على عباده فإنّ إبقائه أحوال الماضين و ما خلّفوه عبرة لللاحقين سبب عظيم لجذبهم عن دار الغرور و مهاوى الهلاك إلى سعادة الأبد.و مستمتع خلاقهم :ما