منهل الغمام في شرح شرايع الإسلام - كاشف الغطاء، الشيخ عباس - الصفحة ٢٧٠ - النظر الأول النقد و النسية
و في الصراط المستقيم إذا ابتاع طعاماً بعشرة مؤجلة فلما جاء الأجل اخذ بها طعاماً جاز فإذا اخذ ما اعطاه كأن اخذ اكثر بم يجز، و روى بجوازه انتهى. و عن الخلاف إذا باع طعاماً قفيزاً بعشرة دراهم مؤجلة فلما حلَّ الأجل اخذ بها طعاماً جاز إذا اخذه مثل ذلك فإن زاد عليه لم يجزاه محتجاً بإجماع الفرقة و بأنه يؤدي إلى بيع الطعام بالطعام انتهى.
و منع جماعة منهم الوالد" رحمه اللّه" عن دلالة خبر خالد على مذهب الشيخ" رحمه اللّه" إذ ليس فيها ما يدل على ان الطعام المشتري عبن المبيع مع ضعف السند بل و لا فيه دلالة و لا في خبر الحناط ان الثمن زائد او ناقص. نعم، قيل ان ظاهر الشيخ في الخلاف الزيادة في الربوي لأنه إذ اشترى طعاماً بثمن طعام آخر في الذمة كان كمن اشترى طعاماً بطعام اكثر منه و هو ربوي، و فيه مع انه غير المنسوب لاطراد العلة في شراء مجانسة الأزيد بذلك الثمن و عدم قصره على ما بعد الحلول لوجود العلة ان ذلك خلاف ظاهر عبائرهم و ما فهمه المعظم منه و ضعّفوه، لكن الاستاذ حمل كلام الشيخ بما حكى عنه في السلم في ريب انه إذا كان الذي اسلف فيه الدراهم لم يجز انه يبيع غلته بدراهم لأنه يكون قد باع دراهم بدراهم او ربما كان فيه زيادة و نقصان و ذلك ربا انتهى.
و ظاهره انه متى كان الثمن في السلم دراهم امتنع بيع السلم فيه على من هو عليه بالدرهم حذراً من التفاوت المفضي إلى الربا، اما اورده من خبر بن جعفر (
في رجل له على آخر تمراً و شعيراً او حنطة يأخذ بقيمته دراهم قال: إذا قوّمه دراهم فسد لأن الأصل الذي يشتري به دراهم فلا يصلح دراهم بدراهم
)، و مقتضى التعليل المنع من بيعه بجنس الثمن مطلقاً دراهم او غيرها مع التفاوت إذا كان الثمن ربوياً و نسب ذلك أيضاً إلى الكاتب و العماني و القاضي و له رواية، فينتج من ذلك كلية تجري فيما نحن فيه و غيره فإن السلم عكس هذه المسألة، فالقاعدة ان حكم العوض حكم المعوض إذا كان ربوياً سواء كان الثمن مؤجلًا او حالًا او المثمن كذا، فإذا باع طعاماً بثمن لا يجوز ان يبدل الثمن به بزيادة مطلقة، و إذا اشترى سلماً او حالًا بثمن لا يجوز للبائع ان يدفع عوضه الثمن و زادهم كذلك، و هذه الكلية على ما ذكره الأستاذ" رحمه اللّه" هي مدار فتوى الشيخ () فعذره ان عوض العوض في حكم العوض في عدم جواز التفاضل مع اتحاد الجنس الربوي فالمجانس و نفس ما باع سواء قبل حلول الأجل و بعده و تقييده بما بعد الحلول في كلام الشيخ مبني على الغالب كأخذ ما باعه بالأنقص إذ لا خصوصية في النقص ليقصر حكم الشيخ عليه لأنه ذكره بحيث ان الحكم المذكور لا يجري في الزيادة، و عليه لا بد من قصر حكم الشيخ" رحمه اللّه" بالمنع على الجنس الربوي لا مطلق المتاع و لا خصوص الطعام فيجوز لمن باع طعاماً بثمن ان يأخذ بدل ثمنه زبيباً مثلًا او تمراً زاد ام نقص حالًا ام مؤجلًا، و كذا في السلم فيجوز ان يدفع عوض الطعام من غير المجانس و ان كان في نفسه ربوياً زاد ام نقص.
هذا خلاصة ما حققه" رحمه اللّه" و السعيد من فهمه كما هو حقه لكن العاجز لقصوره و جموده يرى ضعف كلام الشيخ" رحمه اللّه" اولًا لمخالفته الأكثر، و لعدم جريانه على القواعد إذ لا ارتباط للثمن الأصلي بثمن المبيع اصلًا و لا معارضة فيهما كي يؤدي إلى الربا الذي يتبع المعاوضة، و لا يتحقق موضوعه بدونها و الخبر بعد اشتماله على ما يصلح للتعليل لا بد من تأويله و قصره على مورده، ككلام الشيخ" رحمه اللّه"، فإن حمله على ما قرره الاستاذ عسى ان يكون من المناسبة و الاستحسان الممنوع عندنا حيث لا تنقيح بل خلاف ما ذهب الشيخ إليه في غير موضع من اختصاص الربا بالمعاوضة التي لم تتحقق بين الثمن او المثمن الأصلي و بين المدفوع عوضاً و نفس البدلية لا تثبت المعاوضة بينهما و لا قرينة في كلامه توجب التعدية و حمله على الغالب