منهل الغمام في شرح شرايع الإسلام - كاشف الغطاء، الشيخ عباس - الصفحة ٤٢ - المثل و القيمة
فبذلت له خمسة عشرة فأبى ان يقبل فتراضينا بأبي حنيفة و اخبرته بالقصة و اخبره الرجل فقال لي: ما صنعت بالبغل؟ فقلت: أرجعته سالماً، قال: نعم، بعد خمسة عشر يوماً، قال: فما تريد من الرجل؟ فقلت: اريد كراء بغلي فقد حبسه على هذه المدة، فقال: اني ما ارى لكَ حقاً لأنه اكتراه إلى قصر بني الهبيرة فخالف ركبه إلى النيل أو إلى بغداد فضمن قيد البغل و سقط الكراء، فلما ردَّ البغل سليماً و قبضته لم يلزمه الكواء، قال: فخرجنا من عنده واخذ صاحب البغل يسترجع فرحمته مما افتى به ابو حنيفة و اعطيته شيئاً و تحللت منه و حججت تلك السنة و اخبرت ابا عبد اللّه" ع" فقال: في مثل هذا القضاء تحبس السماء مائها و الأرض بركاتها، فقلت، فما ترى انت جعلت فداك؟ قال" ع": ارى عليك مثل كرى البغل ذاهباً من الكوفة إلى النيل و من النيل إلى بغداد و إلى الكوفة و توفيه إياه، قال: قلت: فقد علفته بدراهم فلي عليه علفه؟ فقال" ع": لا لأنك غاصب، قلت: أ رأيت لو عطب البغل أو أنفق أ ليس كان يلزمني؟ قال: نعم، قيمة بغل يوم خالفته، قلت: فإن اصاب البغل عقرٌ أو كسر او دبر؟ قال" ع": عليك قيمة ما بين الصحة و العيب يوم ترده عليه، قلت: ممن يعرف ذلك؟ قال" ع": انت و هو اما ان يحلف هو فيلزمك و ان ردَّ عليك اليمين فحلفت على القيمة لزمك ذلك أو يأتي صاحب البغل بشهود يشهدون ان قيمة البغل حين اكترى كذا و كذا فيلزمك
) الخبر، و دلالتها على المطلوب من قوله قيمة بغل يوم خالفته الظاهر كما ادعاه الاستاذ" رحمه اللّه" ان مراده" ع" قيمة بغله يوم المخالفة لا قيمة مثل بغله فليس منها دلالة على ضمان القيمي بالمثل و ان اسقاط لام العهد من البغل من جهة اضافته إلى اليوم و هو قيد للقيمة او للاختصاص الحاصل من الإضافة إلى البغل و بعّد" رحمه اللّه" تعليق الظرف بنعم الواقعة بعد يلزمك بل نفى امكانه بتقرير ان مورد السؤال بعد الفراغ من ضمانه بالتلف بسبب المخالفة انه أي قيمة يدفع عند اختلاف قيم البغل لا أن يلزمه دفع القيمة ام لا و هو جيد غير ان العبارة محتملة للوجهين يدل على الأول ان السائل اراد تقرير ما حكم به ابو حنيفة بأني لو ضمنته لم اؤدي كراه بخيال ان المضمون لا تضمن منافعه فأجابه الإمام بضمان الجميع و عين له ما يضمنه من قيمته حسب ما فهمه الاستاذ" رحمه اللّه" و يرشد إلى الثاني أن السائل لما الزمه الإمام" ع" بالكراء توهّم ان سبيله سبيل العين المستأجرة من عدم ضمان عينها فأجابه الإمام" ع" بلزوم يوم المخالفة قيمة بغل بنصب اليوم و تنكير البغل و إنما نكرة لعسر معرفة قيمته حين المخالفة لو عطب فلا بد من غرامة قيمة مثله لانحصار براءة الذمة بذلك و هو ظاهر.
لكن الاستاذ" رحمه اللّه" قال: و لم يأتِ بشيء يساعده التركيب اللغوي و لا المتفاهم العرفي .. الخ، و لم يصل ذهني لتمام مطلوبه و مما يؤيد ذلك قوله: (
أو يأت صاحب البغل بشهود .. الخ
)، فإن الغرض من ذلك اثبات قيمة البغل يوم المخالفة لأنه يوم الاكتراء لقرب القصر من الكوفة فهو طريق آخر لمعرفة قيمة بغله حيث لا يوجد المثل أو يتنازعا على مثليته فليس في الخبر دلالة على ضمان القيمي بالمثل، و إنما هو لأجل انه طريق إلى معرفة قيمة القيمي كالشهود فالإمام ذكر لذلك طريقين و حينئذ فهي صريحة بضمان القيمة يوم القبض لا يوم التلف إلا انَّ بعضهم حمل الرواية على التعبد و خصَّ الحكم بالدابة المغصوبة و بعض اطلق لاضطراب متن الخبر و مخالفته للأصل.
و لقد اشبع الاستاذ" رحمه اللّه" القول فيها بما ملخصه تيمّناً و تبركاً و تلذداً بذكر كلماته فإنه بعد الاستشهاد بالفقرتين جعل الميزان في أصابت العيب قيمة يوم المخالفة لا يوم الرد فعلّق يوم ترده بعليك و لم يجعله قيداً للقيمة فمعناه عليك يوم الرد القيمة لا عليك قيمة يوم الرد، لعدم