منهل الغمام في شرح شرايع الإسلام - كاشف الغطاء، الشيخ عباس - الصفحة ٣٧ - ما يضمن بصحيحه
و لما كان الأصل في الضمان ضمان اليد لا المعاوضة و هو غرامة المضمون بالمثل أو القيمة، فلا جرم من معرفتهما فالكلام في أمور:
أولها: المثلى ما لا فرق بين قيمة مجموع اجزاءه مجتمعة او متفرقة أي ما ليس له صورة اجتماع تزيد او تنقص عمّا لو بيعت اجزاءه متفرقة و ذلك في النوع الواحد الذي لا اصناف له، و الصنف الواحد من أصناف النوع المتفاوتة.
و الأول: مثل المسكوك من العينين الذي لا نقص و لا غش فيه كالمجيدي و البرا و المنقنة و الاشرفي في زماننا.
و الثاني: كالحنطة و الشعير و الأرز و سائر الحبوب المختلفة بالصنف فلو كان المضمون بعضاً من الأول او من احد الأصناف في الثاني لزم دفع مساويه من ذلك النوع أو الصنف المخصوص، و إن اختلفت قيمته يوم القبض عن زمن دفعه أو مكانه عن مكانه لسقوط حق المضمون له يدفع الضامن إليه مثل ماله لتنزيله منزلة عين ماله بل الذي يترجّح في النظر إنَّ ما يصح بيعه سلماً هو مثلى، فإذا اجتزى به المشتري أو لزمه قبوله شرعاً عوض الثمن فكذا يصح به الوفاء عمّا في الذمة و يلزم بأخذه المضمون له إذا امتنع لأنه أقرب طرق الإيصال و الوفاء، و إن حصل به الضرر من جهة تفاوت القيمة لكونه كالمغصوب الباقية عليه مع تفاوت قيمته فهو كالمسلم فيه بالنسبة إلى المسلم فكان الأصل في الوفاء و الرجوع إلى القيمة تعذره، و يكفي في اصالته و اعتباره فحوى نصوص السلم و كلمات الاصحاب في مقامه و إلا كيف ينعقد البيع مع فرض التفاوت المورث إلى الجهالة و الغرر إذ مطابقته للأوصاف جميعاً متعذرة أو متعسرة فإذا برئت ذمة البائع بدفع ما يقارب الوصف كذا تبرأ ذمة الضامن بمثله المقارب، و إلَّا لانحصر الأمر بإرضاء المضمون له و تخييره و إن حصل الضرر العظيم على الدافع و هو ينفي، و حينئذ الضابط للمثلى ما يصح سلماً في البيع و يصح اقراضه فمن فحوى نصوص القرض و السلم يشخّص المثلى و يعرف عرفاً و شرعاً و عليه فلا حاجة لما اطنب به الأستاذ من تشخيصه، و ذكر ضوابطه و اختلاف تحاذيره إذ كلهم يحمون حول المماثلة العرفية، و في الخبر القرض بمثله و إنما يأخذ دنانير مثل دنانيره في آخر، و النبوي الظاهر منه عدم المثليّة في الوفاء حيث دفع الباذل عوض البكر يأتي الكلام عليه في بابه إن شاء اللّه تعالى.
و مع ذلك كله فقد ذكر الاستاذ" رحمه اللّه" في منفي خفائه ما ملخصه ان لا حقيقة شرعية و لا متشرعية للفظ المثل و لا المراد المعنى اللغوي منه و لا في النصوص حكم تتعلق بهذا العنوان انتهى. مع ان نصوص القرض و السلم ظاهرة في تعلّق حكمها به، ثمّ ذكر ان ما كان مثلياً باتفاق المجمعين فلا اشكال في ضمانه به و ما اختلف كلام المجمعين فيه لا يستدل عليه بالإجماع مثل غير المسكوك من النقدين و الحديد و الرصاص و غيرها، فيلزم الرجوع فيما اختلف فيه إلى الأصول و أصالة البراءة عمّا زاد على ما يختاره الضامن عند الشك تورث التخيير بين المثل أو القيمة في الاداء ان يخالف ذلك الإجماع و إلَّا كان الأصل تخيير المالك في المضمون لأصالة الاشتغال و عدم البراءة بما لا يرضى به المالك و عموم على اليد ايضاً يقضي بعد ارتفاع الضمان إلَّا برد العين أو ما يرضى به المالك فلا مورد لأصالة البراءة بعد تحقق الاشتغال و عدم اليقين بها، و دفع القول بأن التخيير مجمع على خلافه بأنه من باب تخيير المجتهد بالفتوى لانحصار العلاج به من جهة دوران الأمر بين محذورين، فهو و إن اجمع على خلافه لا بد من ارتكابه لانقطاع التشابه به و تأمل به لأنه يشبه القياس مع إمكان العلاج في الرجوع إلى الحاكم فبعين ما يختاره و يلزم اتباعه.