الموسوعة الفقهية الميسرة - الأنصاري، الشيخ محمد علي - الصفحة ٢٨٦
إني أستخيرك لعلمك بعاقبة الأمور، وأستشيرك لحسن ظني بك في المأمول والمحذور. اللهم إن كان أمري هذا قد نيطت بالبركة أعجازه وبواديه، وحفت بالكرامة أيامه ولياليه، فخر لي اللهم فيه خيرة ترد شموسه ذلولا وتقعص أيامه سرورا، يا الله، إما أمر فأتمر، وإما نهي فأنتهي.
اللهم خر لي برحمتك خيرة في عافية "، ثلاث مرات. ثم يأخذ كفا من الحصى أو سبحة.
ثم قال: ولعل المراد بأخذ الحصى والسبحة أن يكون قد قصد بقلبه إن خرج عدد الحصى والسبحة فردا، كان (افعل)، وإن خرج زوجا، كان (لا تفعل) " [١].
قال الشهيد - بعد ذكر ذلك -: " لم تكن هذه مشهورة في العصور الماضية قبل زمان السيد الكبير العابد رضي الدين محمد بن محمد الآوي الحسيني، المجاور بالمشهد المقدس الغروي " [٢].
وهناك أنواع أخرى للاستخارة يرجع فيها إلى المطولات، والمتداول - أكثر من غيره - في زماننا هو الاستخارة بالمصحف أو السبحة مع قراءة سورة قصيرة، كالحمد ودعاء مختصر مثل " أستخير الله برحمته خيرة في عافية " ونحوها، والصلاة على النبي وآله.
هذا، وقد نفى ابن إدريس الاستخارة بغير الصلاة والدعاء بشدة، فقال: " فأما الرقاع والبنادق والقرعة فمن أضعف أخبار الآحاد وشواذ الأخبار " [١].
وتبعه المحقق في المعتبر [٢].
لكن شدد من تأخر عنهما النكير عليهما في هذا الإنكار، وخاصة على ابن إدريس [٣].
أقول: ذكر العلماء والصلحاء أسرارا عجيبة للاستخارة كاد بعضها أن يكون نافذة إلى الغيب، وخاصة الاستخارة بالمصحف الشريف، وكأنه يتكلم مع المستخير ويفصح عن مراده وما يترتب على ما يهم به - فعلا أو تركا - من آثار [٤].
[١] أنظر: فتح الأبواب: ٢٧٢، والوسائل ٨: ٨٢، الباب ٨
من أبواب صلاة الاستخارة، الحديث ٢، والذكرى:
٢٥٢.
[٢] الذكرى: ٢٥٢.
[١] السرائر ١: ٣١٣.
[٢] المعتبر: ٢٢٧.
[٣] أنظر على سبيل المثال: فتح الأبواب: ٢٨٩، والمختلف
٢: ٣٥٥، والذكرى: ٢٥٢، والجواهر ١٢: ١٦٦.
[٤] وقد اتفق لي ذلك مرارا منذ كنت مراهقا وحتى يومي
هذا وأنا أطوي الخامسة والأربعين، وأرى من المناسب
أن أذكر قضية واحدة منها:
كان المؤمنون في العراق يهتمون بقضايا عاشوراء
وواقعة الطف، للأوامر الكثيرة الواردة عن أئمة أهل
البيت (عليهم السلام) في ذلك، ومن جملة الشعائر التي كانوا يهتمون
بها شعيرة المشي على الأقدام لزيارة الإمام الحسين (عليه السلام)
من جميع مدن العراق ومنها النجف الأشرف، وقد
تشوقت أن أمشي مع ركب من أقربائي - وكان
ذلك في أوان بلوغي - فاستخرت الله عند المرحوم
السيد الخوئي تغمده الله برحمته الواسعة، فاستخار لي
بالمصحف الشريف - ولا أذكر الآية بالخصوص إلا أنها
كانت من سورة يوسف - فقال لي: إن الذي تقصده فيه
مشاكل وصعوبات إلا أن عاقبته جيدة.
فتوكلت على الله وسرت مع الركب، وبعد سويعات
من خروجنا من الكوفة - وقد اخترنا طريق الماء على
طريق البر - واجهنا عاصفة شديدة ومطرا غزيرا كأفواه
القرب، وكان قد أقبل علينا الليل، ومع ذلك فقد جهدنا
أن نسير لكن لم نتمكن فتوقفنا في سقيفة قرب
" العباسية " - وهي تبعد عن الكوفة نحو فرسخين - وقد
حطمتها العاصفة، ثم رجعنا إلى الكوفة راكبين، وبقينا
تلك الليلة في بيت أحد أقربائنا. ولما أصبحنا ذهب
جماعة ليتفحصوا ويجدوا الطريق هل يمكن السير فيه أو
لا؟ لكني ترددت في أصل السير، فاستخرت الله
بالمصحف الشريف فخرجت هذه الآية الشريفة:
* (وأتموا الحج والعمرة لله فإن أحصرتم فما استيسر من
الهدي...) * - البقرة: ١٩٦ - فذكرت ذلك للرفقة فصمم
الجميع على المسير، فسرنا على بركة الله سالمين آمنين،
والحمد لله رب العالمين.