مصباح المنهاج: الإجتهاد و التقليد - الطباطبائي الحكيم، السيد محمد سعيد - الصفحة ٩٣ - الكلام في وجوب الفحص عن الاختلاف بين المجتهدين
ويرون الاكتفاء بقول من وصلوا إليه تفريطا لا يكفي في مقام التعذير والاحتجاج.
ولا مجال بعد ذلك للاستدلال على عدم وجوب الفحص عن المعارض بما تقدم من سيرة الشيعة في عصر المعصومين (عليهم السلام)، لوضوح أن الاجتهاد بينهم لما كان مبنيا على مقدمات قليلة قريبة من الحس كان احتمال الخطأ والاختلاف فيها بعيدا، بل مغفولًا عنه، ولم يتضح منهم البناء على عدم الفحص لو كان الخلاف متوقعا وملتفتا إليه، فحالهم لا يشبه الحال في عصورنا.
نعم، قد يشبهه في حق بعض العوام ممن يغفل عن الاختلاف، لتخيل وضوح الأحكام لأهلها تبعا لوضوح أدلتها، وفي مثله لا مانع من الالتزام بالحجية.
ونظير هذا ما يذكر في مبحث العموم والخصوص من أن معرضية العام للتخصيص مانعة من العمل به قبل الفحص عن المخصص، على ما أشرنا إليه في شرح الكفاية، فراجع.
هذا والذي ينبغي أن يقال: إن الفحص في المقام نظير الفحص عن المخصص قبل العمل بالعام، لاشتراكهما في الأدلة، فإن عمدة أدلة وجوب الفحص عن المخصص أمور ثلاثة:
الأول: معرضية العام للتخصيص، التي عرفت جريانها في ما نحن فيه.
الثاني: العلم الإجمالي بوجود المعارضات والمخصصات ونحوها للأدلة، وهو جار في المقام في حق كثير من العوام، خصوصا في عصورنا هذه، التي حرر فيها المجتهدون فتاواهم في رسائلهم العملية، بوجه أظهر كثرة الاختلاف بينهم، وأوجب العلم الإجمالي باختلافهم في ما هو محل ابتلاء المكلف غالباً.
الثالث: ما دل على وجوب الفحص عن الأحكام، وتعلم الحلال والحرام، والذم على ترك السؤال من الآيات والروايات، فإنه كما يقتضي في حق المجتهد وجوب النظر في الأدلة وعدم الرجوع للأصول العملية، كذلك يقتضي وجوب النظر في المخصص والمعارض ونحوهما مما يرفع به اليد عن مقتضى الدليل الواصل، وعدم الرجوع للأصول اللفظية، على ما أوضحناه في شرح الكفاية.