مصباح المنهاج: الإجتهاد و التقليد - الطباطبائي الحكيم، السيد محمد سعيد - الصفحة ٦١ - التفصيل بين العلم بفتوى الميت والجهل بها
إن قلت: يكفي في ذلك مثل آية سؤال أهل الذكر، فإن وجوب السؤال فيها مختص بالواقعة الأولى، إذ لا معنى لوجوبه بعد العلم بالفتوى، فلو كانت الحجية تابعة لوجوب السؤال حدوثا وبقاء لزم عدم حجية الفتوى حتى في الواقعة الأولي، لسقوط وجوب السؤال بتحقق السؤال قبل العمل، فلابد من أن يكون حدوث وجوب السؤال كاشفا عن حدوث الحجية وبقائها، وحينئذ فمقتضى الإطلاق بقاء الحجية واستمرارها لجميع الوقائع حتى المتجددة بعد موت المفتي.
قلت: لما كان وجوب السؤال طريقياً لأجل العمل كان الظاهر منه الحجية بلحاظ ما هو محل الابتلاء من الوقائع التي يتنجز حكمها، ويجب السؤال لأجلها لا غير. فكل واقعة تقع مورد الابتلاء يتحقق موضوع وجوب السؤال عن حكمها، فيستكشف منه حجية الجواب والفتوى فيها فقط، ولا إطلاق يقتضي بقاء الحجية واستمرارها في غير الواقعة التي هي محل الابتلاء ووجب طريقياً السؤال عنها.
وعدم وجوب السؤال في الوقائع اللاحقة المتجددة في حياة المفتي مع العلم بالفتوى بسبب السؤال في الواقعة الأولى ليس لعدم تحقق موضوع وجوب السؤال في الوقائع المذكورة، ليمتنع استكشاف الحجية فيها- ويتعين استكشافه من وجوبه في الواقعة الأولى- بل لأجل عدم الفائدة في السؤال، نظير ما لو سبق منه تعلم الفتوى لا لأجل العمل- ولو لعدم كون المفتي أهلا للتقليد حينئذ- فإنه لو أراد الرجوع إليه بعد ذلك لا يجب سؤاله، إلا أن تحقق موضوع وجوب السؤال في حقه بسبب ابتلائه بالواقعة واحتياجه للفتوى لأجل العمل كاف في استكشاف الحجية حينئذ.
وبعبارة أخرى: الحجية إنما تستكشف من تحقق موضوع وجوب السؤال وإن لم يجب فعلا بسبب عدم الفائدة فيه، لسبق العلم بالفتوى- ولو لا لأجل العمل- ومن الظاهر أن موضوعه ليس هو عدم العلم بالفتوى، بل عدم العلم بالواقع مع الحاجة للفتوى في مقام العمل، للابتلاء بالواقعة مع أهلية المفتي، ومن الظاهر أن الموضوع المذكور حاصل في كل واقعة متجددة في حياة المفتي، فيستكشف منه حجية الفتوى فيها لا غير، فإذا خرج المفتي عن الأهلية، لانسلاخ العنوان عنه بموت