مصباح المنهاج: الإجتهاد و التقليد - الطباطبائي الحكيم، السيد محمد سعيد - الصفحة ٢٢٤ - أدلة وجوب تبليغ الاحكام وتحديد التبليغ الواجب
وأما آية الكتمان فهي ظاهرة في وجوب البيان للجاهل مطلقا سواء كان جهله عذرا أم لا، سواء كان اخبار العالم حجة في حق الجاهل أم لا، بل كان يعمل عليه غفلة عن عدم حجيته، أو لكونه مثيرا للاحتمال المقتضي للاحتياط وإن لم يكن لازما.
بل مقتضى إطلاقها وجوب البيان حتى مع العلم بعدم ترتب العمل إذا كان يترتب عليه بعض الفوائد المرغوبة للشارع، مثل عدم ضياع الحق، أو صيرورته موردا للاحتمال المستدعي للنظر والفحص، أو إقامة الحجة على من ليس في مقام التمرد ابتداء وإن علم بتسامحه عن الامتثال، لاستثقاله له بعد العلم.
نعم، لو فرض كونه في مقام التمرد على الحق قبل الاعلام والاعراض عنه ابتداء- حيث لا يزيد البيان في إقامة الحجة عليه، لقيام الحجة عليه بتمرده- أو كان معتمدا في العمل على طريق آخر ولا يترتب على الاعلام إلا مجرد معرفة رأي المخبر أشكل شمول الاطلاق له، فإن مناسبة الحكم والموضوع الارتكازية تقتضي كون تحريم الكتمان بلحاظ ما يترتب على البيان من الفوائد، لا لكونه مطلوبا تعبدا، ولا يبعد انصراف جميع أدلة المقام عنه، كما سيأتي.
ثم إن ظاهر سيدنا المصنف قدس سره اختصاص الاية بما إذا كان الجاهل في مقام الاستعلام ومعرفة الواقع وإن لم يتحقق منه السؤال، لغفلته عنه، وكأنه لعدم تحقق الكتمان بمجرد عدم البيان، بل لابد معه من كون الكاتم في مقام الاخفاء والتستر بما عنده، وهو إنما يكون مع كون الجاهل في مقام الاستعلام والاهتمام بتحصيل الواقع، دونما لو لم يكن كذلك.
لكن هذا- لو تم- اقتضى عدم وجوب البيان إذا لم يكن العالم في مقام الاخفاء والتستر وطمس اعلام الحق، بل كان عدم البيان لانشغاله، أو لاستثقال تفهيم الجاهل أو لنحو ذلك مما لا يرجع إلى الاهتمام بإخفاء الواقع وتضييعه.
ولا يظن منه قدس سره الالتزام به.
فالانصاف: أن مناسبة الحكم والموضوع تقتضي إلغاء خصوصية الكتمان فإن المنسبق عرفا أن تحريم الكتمان في الاية ليس لملازمته لمعاداة الحق والاهتمام بطمسه والرغبة في ضلال الناس، بل لملازمته لضياع الحق وانطماسه المنافي للغرض من بعث الرسل وبيان الاحكام في الكتب.