السرائر الحاوي لتحرير الفتاوي - ابن إدريس الحلي - الصفحة ١٧٥ - باب تطهير الثياب من النجاسات و البدن و الأواني و الأوعية
أيضا بسائر الدماء بقوله تعالى حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَ الدَّمُ [١] و هذه الآية تقتضي تحريم سائر الدماء المسفوح و غيره؟
قلنا: دم السمك مخصوص من الآية العامة بما قدّمناه من الدلائل، و بعد فانّ اللّه تعالى لما قال حرّمت عليكم الميتة، قال النبي (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم): أحلت لنا ميتتان، و قال تعالى أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ وَ طَعامُهُ ثم اتفقوا على أنّ آية الإباحة مرتّبة على آية الحظر، كأنّه تعالى قال: حرّمت عليكم الميتة، إلا الجراد و السمك فوجب أن يكون حكم الدم كذلك، فتكون آية الإباحة، مرتبة على آية الحظر، و يكون التقدير، حرّمت عليكم الميتة و الدم إلا دم السمك، و ما أشبهه مما ليس بمسفوح.
و أيضا فإنّ العام يبنى على الخاص و المطلق على المقيد، مثاله إذا ورد حكم مطلق في موضع، ثم ورد ذلك الحكم بعينه في موضع آخر مقيدا بصفة، فانّ مطلقه يكون محمولا على مقيّده، و يتبيّن بذلك التقييد مراد المخاطب بالمطلق، و هذا ممّا لا خلاف فيه بين من تكلّم في أصول الفقه.
فأمّا مسألة الخلاف أن يثبت حكم في موضع مطلقا، ثمّ يرد ما هو من جنس ذلك الحكم لا بعينه في موضع آخر مقيدا، فهل يجب حمل المطلق هاهنا على ذلك المقيّد أم لا؟ و الصحيح من الأقوال، أنّ لكل منهما حكم نفسه، لأنّهما حكمان متغايران، و إن كان جنسهما واحدا، و مثاله كفارة الظهار مطلقة، و كفارة قتل الخطأ مقيدة، فلا يحمل المطلق على المقيد هاهنا، إلا بدليل منفصل، لأنّه يكون قياسا، و القياس متروك عند أهل البيت (عليهم السلام)، و قد روي عن أمير المؤمنين (عليه السلام) انّه قال: لا بأس بدم ما لم يذك [٢].
[١] المائدة: ٣.
[٢] الوسائل: الباب ٢٣ من أبواب النجاسات، ح ٢.