السرائر الحاوي لتحرير الفتاوي - ابن إدريس الحلي - الصفحة ٦٠ - باب المياه و أحكامها
فأمّا الرد عليهم بقوله تعالى وَ يُنَزِّلُ عَلَيْكُمْ مِنَ السَّماءِ ماءً لِيُطَهِّرَكُمْ بِهِ [١] فليس بشيء يعتمد، لأنّه ليس في الآية أنّ غير الماء المنزل لا يطهّرنا، فهذا عند محقّقي أصول الفقه أخفض رتبة من دليل الخطاب، لأنّ الحكم تعلّق بذكر عين لا حكم صفة، و النص عندهم إذا تناول عينا، بحكم لم يدل على أنّ ما عداها من الأعيان مخالف لها في ذلك، هذا على مذهب القائلين بدليل الخطاب و على مذهب المبطلين له، و انّما اخترنا ما اخترناه لدليل غير هذا، و هو أنّ النجاسة معلومة في الثوب و البدن بيقين، فلا يزال إلا بيقين، و إذا أزيلت بالماء المطلق، يحصل اليقين، و أيضا فالماء المضاف لاقى نجاسة، فنجس بملاقاتها، فصار هذا الفعل تكثيرا للنجاسة، و ليس كذلك إزالتها بالماء المطلق، لأنّ لورود الماء على النجاسة حكما، و ليس كذلك ورود المضاف، فإن أضيف إلى الماء المطلق المطهر جسم طاهر تغيّر به أحد أوصافه، فهو باق على حكم التطهير به، ما لم يسلبه إطلاق اسم الماء عنه، لأنّ التغير غير السلب، لأنّ السلب هو غلبة الأجزاء المخالطة للماء حتى تسلبه إطلاق اسم الماء عنه و تخرجه عن معنى المياه.
و النجس هو الماء القليل الذي خالطه شيء من النجاسة، غيّره أو لم يغيّره أو الكثير، أو الجاري الذي تخالطه النجاسة، و تغيّر بعض صفاته من لون أو طعم أو ريح.
و حد الماء القليل ما نقص عن مقدار كر. و حد الكثير ما بلغ كرا فصاعدا.
و حد الكر ما وزنه الف و مائتا رطل، بالرطل العراقي، و هو البغدادي على الصحيح من المذهب، لأنّ بعض أصحابنا يذهب إلى أنّه بالمدني، من جملتهم المرتضى (رضي اللّه عنه)، هذا إذا كان الاعتبار بالوزن. فأمّا إذا كان الاعتبار بمساحة المحل، فبأن يكون محله ثلاثة أشبار و نصفا طولا في مثلها عرضا في مثلها عمقا، على الصحيح من المذهب.
و ذهب بعض أصحابنا و هم القميّون: إلى أنّه يكون محله ثلاثة أشبار في
[١] الأنفال: ١١.