السرائر الحاوي لتحرير الفتاوي - ابن إدريس الحلي - الصفحة ٥١٧ - باب حقيقة الحج و العمرة و شرائط وجوبهما
و إن خلف قدر ما يحج به عنه، أو أقل من ذلك و لم يكن قد وجب عليه الحج قبل ذلك و استقر في ذمّته، كان ميراثا لورثته، فهذا معنى قولنا وجبت الحجة و استقرت، و وجبت و ما استقرت، لأنّ من تمكن من الاستطاعة، و خرج للأداء، من غير تفريط، و لا توان، بل في سنة تمكنه من الاستطاعة، خرج و مات قبل تفريطه، فلا يجب أن يخرج من تركته ما يحج به عنه، لأنّ الحجة ما استقرت في ذمّته، فأمّا إذا فرّط فيها، و لم يخرج تلك السنة، و كان متمكنا من الخروج، ثم مات، يجب أن يخرج من تركته ما يحج به عنه من بلده، قبل قسمة الميراث.
و من لم يملك الاستطاعة، و كان له ولد، له مال، وجب عليه أن يأخذ من ماله، قدر ما يحج به على الاقتصاد، و يحج، ذكر هذا شيخنا أبو جعفر في نهايته [١] و رجع عنه في استبصاره [٢] و رجوعه عنه هو الصحيح، و انّما أورده إيرادا في نهايته، لا اعتقادا، ثم قال في النهاية: فان لم يكن له ولد، و عرض عليه بعض إخوانه، ما يحتاج إليه من مئونة الطريق، وجب عليه الحجّ أيضا، و قال: و من ليس معه مال، و حج به بعض إخوانه، فقد أجزأه ذلك عن حجة الإسلام، و إن أبسر بعد ذلك [٣].
قال محمّد بن إدريس: و الذي عندي في ذلك، أنّ من يعرض عليه بعض إخوانه، ما يحتاج اليه من مئونة الطريق فحسب، لا يجب عليه الحجّ، إذا كان له عائلة تجب عليه نفقتهم، و لم يكن له ما يخلفه نفقة لهم، بل هذا يصح فيمن لا يجب عليه نفقة غيره، بشرط أن يملكه ما يبذل له، و يعرض عليه، لا وعدا بالقول دون الفعال، و كذا أقول فيمن حج به بعض إخوانه، بشرط أن يخلف لمن تجب عليه نفقته، إن كان ممن تجب عليه نفقته و في المسألتين معا، ما راعى شيخنا أبو جعفر الطوسي في نهايته، الرجوع إلى كفاية، إمّا من المال، أو الصناعة،
[١] النهاية: كتاب الحج، باب وجوب الحج.
[٢] الاستبصار: كتاب المكاسب، الباب ٢٦، ح ٩.
[٣] النهاية: كتاب الحج، باب وجوب الحج.