الحدائق الناضرة في أحكام العترة الطاهرة - البحراني، الشيخ يوسف - الصفحة ٣٩٤ - (البحث الثاني)- في المستقبل
أريد العلم بالعين بالنسبة إلى البعيد فظاهر ان هذا مما يتعذر، و ان أريد العلم بالجهة بالنسبة إلى البعيد- و الظاهر انه هو المراد من كلامهم- فمن الظاهر انه انما يحصل بالاجتهاد الذي غايته الظن فلا معنى لتقديمه و جعل الظن في المرتبة الثانية بعد تعذره. و اما ما مثلوا به لصور تحصيل العلم من المعاينة فقد عرفت انه مخصوص بالقريب المتمكن من المشاهدة لا على وجه يستلزم المشقة و العسر. و اما الخبر المحفوف بالقرائن و الشياع فهو و ان مثلوا بهما لإفادة العلم لكن ذلك بالنسبة الى الخبر و هو قبول قول الغير الذي غاية ما يفيده هو الظن فإنه قد يفيد العلم إذا انضمت اليه أمارات من خارج أو كان شائعا بحيث يفيد العلم، و هذا لا معنى له بالنسبة إلى القبلة و العلم بجهتها للبعيد، فإنه اما ان يرجع الى الأمارات المتقدمة التي ذكرها أهل الهيئة للبلدان و غاية ما تفيده الظن بالجهة، أو قبلة البلد أو المحاريب و القبور و نحو ذلك و غاية الجميع الظن، إلا ان يقال بحصول العلم بالجهة بالأمارات التي ذكرها علماء الهيئة و ليس ببعيد فيخص العلم به و يجعل الظن في ما عداه مما ذكرناه و نحوه، نعم ربما يتم ما ذكر في محراب المعصوم (عليه السلام) ان ثبت صلاته فيه على الهيئة التي هو عليها الآن و دون ثبوته شوك القتاد و ان ادعى بعض الأصحاب ذلك.
قال شيخنا الشهيد في الذكرى: لا اجتهاد في محراب رسول الله (صلى الله عليه و آله) في جهة القبلة و لا في التيامن و التياسر فإنه منزل منزلة الكعبة، و روى انه لما أراد نصبه زويت له الأرض فجعله بإزاء الميزاب [١] و لأن النبي (صلى الله عليه و آله) معصوم لا يتصور منه الخطأ و عند من جوزه من العامة لا يقر عليه فهو صواب قطعا فيستقبله معاينة و تنصب المحاريب هناك عليه و في معنى المدينة كل موضع تواتر ان النبي (صلى الله عليه و آله) صلى فيه الى جهة معينة مضبوطة الآن، و كذا لا اجتهاد في المسجد الأعظم بالكوفة في التيامن و لا التياسر مثل ما قلناه في مسجد النبي (صلى الله عليه
[١] تاريخ المدينة للسمهودي ج ١ ص ٢٦١ و الدرة الثمينة ص ٣٥٧.