أدب الطبيب - الرهاوي، اسحق بن علي - الصفحة ٢٠٢ - الباب العشرين فيما ينبغي للطبيب ان يدخره و يعده من وقت صحته لوقت مرضه و من زمان شبابه الى زمان شيخوخته
للاصحاء و المرضى ففيما ذكرته من هذه الامثلة (الجزئية) الدالة على المعاني الكلية كفاية لذوي الفطن و القرائح. فاما من لم يكتف[١] بهذه الجمل فالتمس تشخيص جميع ما بعده فان ذلك ممتنع لأجل إختلاف امزجة المحتاجين، و لكني اخذته في تعريفه انواع تلك الجمل التي لم يكتف بها فانها ابسط و هي جامعة لما التمسه من علم الاشخاص، فاقول ان جميع ما ينبغي ان يدخر و يقتنى قبل فوت وجوده نوعان: احدهما تحته جميع مصالح النفس و آدابها و ذلك مأخوذ من معدنين، احدهما الكتب الشرعية فانها جامعة لآداب النفوس و مصالح الاخلاق و مقدمة للانسان فعليك بها اولا و خذ نفسك و ولدك بحفظها بعد درسها على العلماء بها، ثم تأمل لغتها و تدبر معانيها فانك تظفر بما انا حاثك عليه من آداب النفس، و النوع الثاني هو الشامل لجميع مصالح جسم ما يقوم عضو عضو[٢] من اعضائه و معرفة ذلك مأخوذة من علم صناعة الطب، و وصولك الى ذلك يتم بدرس كتبها على اهلها في حال الشبيبة و زمان الحداثة ثم الخدمة لهم في اعمال الصناعة لتهيئتها قينة صحيحة فان منها يترقى الى صلاح نفسك ايضا ان كان قد فاتتك الدربة الشافية بكتب الشرائع، و لان اهلها لما علموا ان الانسان مؤلف من شيئين هما النفس و الجسم و ارادوا اصلاح الانسان اثبتوا في كتبهم من مصالح الجسم مصالح النفس و الاخلاق ايضا.
و لذلك لما رمت في هذا الكتاب جميع ما ذكروه في مواضع متفرقة عن آداب النفس و تقويم الاخلاق مع مصالح الجسم قفوت[٣] آثارهم و سرت في طريقهم لكي ينساق القليل الرياضة بما قالوه في طرقهم، و تسلك سبلهم فتصل بذلك الى عملهم، فأن تكن ممن ترقى على نظام و قد شوّقه بما قرأه من هذه الجمل الى معرفة اصولها و من اين هي مأخوذة، فاني ارشدك الى ذكر ذلك من حيث انت (طبيعي)[٤] فعليك من كتب معلمنا الفاضل جالينوس بكتابه في الأخلاق[٥] و هي اربعة مقالات، و بمقالته في ان قوى النفس تابعة
[١] وردت في الاصل( يكتفي) و الصحيح ما اثبتناه.
[٢] وردت في الاصل( عضوا عضوا) و الصحيح ما اثبتناه.
[٣] وردت في الاصل( قفا) و الصحيح ما اثبتناه.
[٤] يقصد بذلك الطبائعي.
[٥] هذا الكتاب باربع مقالات في انواع الاخلاق و اسبابها و علاماتها( ابن ابي اصيبعة ص ١٤٧).