منية الراغب في شرح بلغة الطالب - كاشف الغطاء، الشيخ موسی - الصفحة ١٧١ - المبحث الثالث في النية
و الغبي فتعيّن ارادة امر آخر وراء ذلك، فيؤخذ منه باليقين بعد الاجمال للشك في جزئية الجزء و ليس الّا مراعاة ما ذكرناه مع ان في تتمة بعض هذه الاخبار ما يدل على ارادة الغايات للأفعال و الاغراض، لا مجرد القصد إلى الفعل و يرشد اليه أيضاً قوله (ص) لأبي ذر: (
ليكن لك في كل شيء نية حتى في النوم و الأكل
)، و مما يستدلّ به على اعتبار قصد القربة بعد الاستنهاض بما ذكرناه جميع ما دل على لزوم الاخلاص و الأمر به و أنه فيه الخلاص من كتاب و سنة، و يستظهر من الأمر بالعبادات و وجوب الطاعة و لزوم المتابعة و من قوله تعالى وَ مٰا أُمِرُوا إِلّٰا لِيَعْبُدُوا اللّٰهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حيث جعل غاية الامر العبادة و مع ذلك ضم اليها الاخلاص إن الأصل في كل مأمور به بعد قصده قصد القربة فيه و العبودية. و إن لم يعلم انحصار الثمرة فيه بذلك و انه شرّع لأجل غاية أخروية بل لو علم ان مشروعيته لأجل اغراض دنيوية و ان المقصود منه ثمرات غير أخروية، لكن يلزم فيه مع ذلك قصد القربة الّا ما اخرجه الدليل و ان خرج عن اسم العبادة غالباً فللعبادات اطلاقات ثلاث ما كانت الثمرة فيه أخروية و ما اشترط فيه قصد القربة، و ما حصلت فيه القربة و بالجملة لا ريب أن استحقاق الثواب على الاعمال موقوف على قصد القربة فيها بعد قصدها كما يقضى به العقل و النقل و حصوله في بعض المقامات بدونها، كما في مكارم الاخلاق فهو من التفضّل و الاحسان بل لا يبعد الحكم باستحقاقه على مجرد العزم و النية. و إن لم تصادف العمل و ان قضت به الادلة من ذلك كاشف عن الاستحقاق و أنها هي روح العمل و قوامه و بها تتضاعف مراتب الاعمال و درجات العاملين. و ان الاعمال بانضمامها اليها علة الخلق و الايجاد كما نطق به التنزيل في قوله تعالى: وَ مٰا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَ الْإِنْسَ إِلّٰا لِيَعْبُدُونِ و أن قصد العبادة و الطاعة و الانقياد قبل حين العمل بل قبل تعلق التكليف حين سماع الخطاب معلقاً فضلًا عن حال العمل و حينه واجب على المكلّف و هو اصل العبودية لا يجوز التغافل عنه و مناسبه كما لا يجوز قصد سوى ذلك، و انها شرط العمل متوقفة صحته عليه و محكوم بفساده بدونه و انه بعد التأمل فيما ذكرنا لا مجال للمناقشة في ذلك و خلو كلام كثير من القدماء عنه. انما هو لبداهيته و عدم الاحتياج إلى التنبيه على حكمها مع لزوم حصولها من كل عابد و كله مطيع و ممتثل لا تنفك عنه فقد ظهر، و قد تبين انها أما عبارة عن القصد و تعيين المقصود و كونه خالصاً لوجه اللّه تعالى شرعاً حقيقة و استعمالًا أو اصطلاحاً أو عبارة عن مجرد القصد و تلك لوازم أو شرائط شرعية ثمّ الخلوص لوجه اللّه أما لأهليته أو جزاء لشكر نعمته و مهما دفع نقمته و عن علي (ع): (
ان عبادة الشكر عبادة الاحرار أو طلب العبد رفع منزلته الروحانية أو طلباً لرضاه
) و في الفرق بينهما تأمل و ان اريد المنزلة الحسية اشكل الفرق بينه و بين رجاء الثواب أو خوفاً من سخطه أو رجاء لثوابه و هي في رواية هارون عن الصادق (ع): (
عبادة الاحرار
) و في رواية بن ضبيان عبادة التجار أو خوفاً من عقابه و هي عبادة العبيد، و ما في الكتاب و السنة من الترغيب قاض بالاكتفاء بهما و في الروايات الخاصة و اخبار من بلغة ثواب على عمل دلالة عليه و السيرة القاطعة شاهدة به فإنه ابن الأوحدي من الناس من تصفية نفسه لما فوق ذلك من المراتب فضلًا عن عامة الخلق و من ترى يقدم النار على الجنة لو جعلت النار في رضاه، و الجنة في سخطه مع ان ادلة الاخلاص من كتاب و سنة شاملة له و لا ينافيه كل من الرجاء و الخوف بل يؤكدانه فما نقل عن ظاهر المشهور من بطلان العبادة بهما، حتى ادعى عليه الاجماع لا يعرف وجهه الّا ان ينزل على قصد الاشتراط و المعاوضة الحقيقية، فيكون منافياً