الرياض النضرة في مناقب العشرة - الطبري، محب الدين - الصفحة ٩٦ - ذكر ما نقم على عثمان مفصلا و الاعتذار عنه بحسب الإمكان
صدور ذلك من الغلام، فيكون قد فعله من نفسه غضبا لمولاه، فإن ابن مسعود كان يجبه عثمان بالكلام و يلقاه بما يكرهه، و لو صح ذلك عنه لكان محمولا على الأدب، فإن منصب الخلافة لا يحتمل ذلك، و يصنع ذلك منه بين العامة، و ليس هذا بأعظم من ضرب عمر سعد بن أبي وقاص بالدرة على رأسه حين لم يقم له، و قال له: إنك لم تهب الخلافة فأردت أن تعرف أن الخلافة لا تهابك. و لم يغير ذلك سعدا و لا رآه عيبا و كذلك ضربه لأبي بن كعب حين رآه يمشي و خلفه قوم فعلاه بالدرة و قال: إن هذه مذلة التابع و فتنة للمتبوع، و لم يطعن أبي بذلك على عمر، بل رآه أدبا منه نفعه اللّه به، و لم يزل دأب الخلفاء و الأمراء تأديب من رأوا منه الخلاف، على أنه قد روي أن عثمان اعتذر لابن مسعود و أختاه في منزله، حين بلغه مرضه و سأله أن يستغفر له و قال: يا أبا عبد الرحمن هذا عطاؤك فخذه. قال له ابن مسعود: و ما أتيتني به إذا كان ينفعني، و جئتني به عند الموت!؟ لا أقبله. فمضى عثمان إلى أم حبيبة، و سألها أن تطلب إلى ابن مسعود ليرضى عنه، فكلمته أم حبيبة، ثم أتاه عثمان فقال له: يا أبا عبد اللّه، ألا تقول كما قال يوسف لأخوته: لا تَثْرِيبَ [١] عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ يَغْفِرُ اللَّهُ لَكُمْ؟ فلم يكلمه ابن مسعود. و إذا ثبت هذا فقد فعل عثمان ما هو الممكن في حقه و اللائق بمنصبه أولا و آخرا، و لو فرض خطؤه فقد أظهر التوبة و التمس الاستغفار، و اعتذر بالذنب لمن لم يقبله حينئذ، فإن اللّه أخبر أنه:
يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبادِهِ، و في ذلك حثهم على الاقتداء به على أنه قد نقل أن ابن مسعود رضي عنه و استغفر له. قال سلمة بن سعيد: دخلت على ابن مسعود في مرضه الذي توفي فيه، و عنده قوم يذكرون عثمان فقال لهم: مهلا فإنكم إن قتلتموه لا تصيبون مثله.
و أما عزله عن الكوفة و إشخاصه إلى المدينة و هجره له و جفاؤه إياه،
[١] لا لوم.