الرياض النضرة في مناقب العشرة - الطبري، محب الدين - الصفحة ٩٤ - ذكر ما نقم على عثمان مفصلا و الاعتذار عنه بحسب الإمكان
و إمّا تمليكا إن قلنا ملك.
(و أما القضية الثامنة) و هو ما ادعوه في نفيه جماعة من الصحابة: أما أبو ذر فروى أنه كان يتجاسر عليه و يجبهه بالكلام الخشن و يفسد عليه و يثير الفتنة، و كان يؤدي ذلك التجاسر عليه إلى إذهاب هيبته و تقليل حرمته ففعل ما فعل به صيانة لمنصب الشريعة و إقالة لحرمة الدين و كان عذر أبي ذر فيما كان يفعله أنه كان يدعوه إلى ما كان عليه صاحباه من التجرد عن الدنيا و الزهد فيها، فيخالفه في أمور مباحة من اقتنائه الأموال، و جمعه الغلمان الذين يستعان بهم على الحروب، و كل منهما كان على هدى من اللّه تعالى. و لم يزل أبو ذر ملازما طاعة عثمان بعد خروجه إلى الربذة حتى توفي.
و لما قدم إليها كان لعثمان غلام يصلي بالناس فقدم أبا ذر للصلاة فقال له: أنت الوالي، و الوالي أحق. و هذا كله على تقدير صحة ما نقله الروافض في قصة أبي ذر مع عثمان؛ و إلا فقد روى محمد بن سيرين خلاف ذلك، فقال: لما قدم أبو ذر الشام استأذن عثمان في في لحوقه بالربذة فقال عثمان: أقم عندي تغدو عليك اللقاح و تروح فقال: لا حاجة لي في الدنيا، فأذن له في الخروج إلى الربذة.
و روى قتادة: أن النبي (صلّى اللّه عليه و سلّم) قال لأبي ذر: (إذا رأيت المدينة بلغ بناؤها سلعا فاخرج منها) و أشار إلى الشام فلما كان في ولاية عثمان بلغ بناؤها سلعا فخرج إلى الشام، و أنكر على معاوية أشياء فشكاه إلى عثمان، فكتب عثمان إلى أبي ذر: أقبل إلينا فنحن أرعى لحقك و أحسن جوارا من معاوية فقال أبو ذر: سمعا و طاعة فقدم على عثمان ثم استأذن في الخروج إلى الربذة فأذن له فمات. و رواية هذين الإمامين العالمين من التابعين و أهل السنة هذه القصة أشبه بأبي ذر و عثمان من رواية غيرهما من أهل البدعة.