الرياض النضرة في مناقب العشرة - الطبري، محب الدين - الصفحة ٩٠ - ذكر ما نقم على عثمان مفصلا و الاعتذار عنه بحسب الإمكان
فلما رأى ما وقر عندهم منه استصوب عزله عنهم؛ و لو كانوا مفترين عليه. و العجب من هؤلاء الرافضة كيف ينقمون على عثمان عزل المغيرة و هم يكفرون المغيرة؟ على أنا نقول: ما زال ولاة الأمر قبله و بعده يعزلون من عمالهم من رأوا عزله و يولون من رأوا توليته بحسب ما تقتضيه أنظارهم. عزل عمر خالد بن الوليد عن الشام و ولى أبا عبيدة، و عزل عمارا عن الكوفة و ولاها المغيرة بن شعبة، و عزل قيس بن سعد عن مصر و ولاها الأشتر النخعي. ألا ترى إلى معاوية- و كان ممن ولاه عمر- لما ضبط الجزيرة و فتح البلاد إلى حدود الروم و فتح جزيرة قبرص و غنم منها مائة ألف رأس سوى ما غنم من البياض و أصناف المال و حمدت سيرته و سراياه أقره على ولايته؟ و أما ابن مسعود فسيأتي الاعتذار عنه فيما بعد.
و أما القضية الثانية- و هو ما ادعوه من إسرافه في بيت المال فأكثر ما نقلوه عنه مفتر عليه و مختلق؛ و ما صح منه فعذره فيه واضح، و أما رده الحكم إلى المدينة فقد ذكر رضي اللّه عنه أنه كان استأذن النبي (صلّى اللّه عليه و سلّم) في رده إلى المدينة فوعده بذلك، فلما ولي أبو بكر سأله عثمان ذلك فقال: كيف أرده إليها و قد نفاه رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) فقال له عثمان ذلك فقال له: إني لم أسمعه يقول له ذلك؛ و لم تكن مع عثمان بينة على ذلك، فلما ولي عمر سأله ذلك فأبى: و لم يريا [١] الحكم بقول الواحد، فلما ولي قضي بعلمه و هو قول أكثر الفقهاء، و هو مذهب عثمان، و هذا بعد أن تاب و أصلح عما كان طرد لأجله، و إعادة التائب مما تحمد.
و أما صلته من بيت المال بمائة ألف فلم تصح، و إنما الذي صح أنه زوج ابنه من ابنة الحارث بن الحكم و بذل لها من مال نفسه مائة ألف درهم، و كان رضي اللّه عنه ذا ثروة في الجاهلية و الإسلام و كذلك زوج ابنته أم أبان من ابن مروان بن الحكم و جهزها من خاص ماله بمائة ألف لا
[١] يعني أبا بكر و عمر.