الرياض النضرة في مناقب العشرة - الطبري، محب الدين - الصفحة ١٨٧ - الفصل التاسع في ذكر نبذ من فضائله
و من أدل دليل على عظيم منزلته من رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) صنيعه في المؤاخاة كما تقدم، فإنه (صلّى اللّه عليه و سلّم) جعل يضم الشكل إلى الشكل يؤلف بينهما إلى أن آخى بين أبي بكر و عمر، و ادخر عليا لنفسه و خصه بذلك، فيالها مفخرة و فضيلة!!
و قد روي أن معاوية قال لضرار الصدائي: صف لي عليا. فقال:
اعفني يا أمير المؤمنين. قال: لتصفنه. قال:
أما إذ لا بد من وصفه، كان و اللّه بعيد المدى شديد القوى، يقول فصلا و يحكم عدلا، يتفجر العلم من جوانبه و تنطق الحكمة من نواحيه يستوحش من الدنيا و زهرتها و يأنس إلى الليل و وحشته و كان غزير العبرة طويل الفكرة، يعجبه من اللباس ما قصر، و من الطعام ما خشن، كان فينا كأحدنا، يجيبنا إذا سألناه و ينبئنا إذا استنبأناه، و نحن و اللّه مع تقريبه إيانا و قربه منا لا نكاد نكلمه هيبة له، يعظم أهل الدين و يقرب المساكين و لا يطمع القوي في باطله و لا ييأس الضعيف من عدله؛ و أشهد لقد رأيته في بعض مواقفه- و قد أرخى الليل سدوله و غارت نجومه- قابضا على لحيته يتململ تململ السليم و يبكي بكاء الحزين و يقول: يا دنيا غري غيري، إليّ تعرضت أم إليّ تشوقت؟ هيهات! هيهات! قد طلقتك ثلاثا لا رجعة فيها فعمرك قصير و خطرك قليل- آه آه من قلة الزاد و بعد السفر و وحشة الطريق!
فبكى معاوية و قال: رحم اللّه أبا حسن، كان و اللّه كذلك؛ فكيف حزنك عليه يا ضرار؟ قال حزن من ذبح واحدها في حجرها أخرجه الدولابي و أبو عمر و صاحب الصفوة.
و عن الحسن بن أبي الحسن- و قد سئل عن علي بن أبي طالب- قال:
كان علي و اللّه سهما صائبا من مرامي اللّه على عدوه، و رباني هذه الأمة و ذا فضلها، و ذا سابقتها، و ذا قرابتها من رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) لم يكن بالنومة عن