الرياض النضرة في مناقب العشرة - الطبري، محب الدين - الصفحة ١٣٥ - ذكر اختصاصه بالتبليغ عن النبي
مرتبة أبي بكر من رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) في إيثار الأولى في حقه و مكانته منه و منزلته عنده المعلومة المشهورة التي لا يوازنها، مكانة، و لا يضاهيها مرتبة، حتى اتصف بأحب القوم إليه و ألزمهم عنده، و اختص منه بخصائص لم يشاركه فيها غيره على ما تقدم تقريره في مناقبه، و ذلك لا يناسب تخصيصه بالأدنى مع علمه برسوخ قدمه في الزهد و الرغبة فيما عند اللّه تعالى، و إنما كان ذلك و اللّه أعلم تنبيها على أفضليته المقتضية اقامه مقام نفسه، و لذلك صرف الأمور كلها إليه ابتداء ثم خص عليا بأمر التبليغ لما ذكرناه فكان صرف إمرة الحج إلى أبي بكر لاختصاصه بقيام المقتضى لها لا لأمر آخر وراء ذلك.
الوجه الثاني: لا نسلم أن هذا الأمر من الدنيا في شيء، بل هو محض عبادة كالصلاة و الأمير فيها كإمام الصلاة و خطيب الجمعة و لا يقال في شيء من ذلك دنيا، و كيف يصح أن يقال فيه دنيا و على رضي اللّه عنه يقول: يا دنيا غري غيري طلقتك ثلاثا بتاتا. و قد تولى الخلافة العظمى فلو اعتقد أن ما قام فيه محض عبادة للّه تعالى لا دنيا فيه لما صح هذا القول و لا شك في صحته و في أن قدمه في الزهد في الدنيا من أرسخ الأقدام و مباينته لها مشهور بين الانام ثابت عند العلماء الأعلام، نعم تصير هذه الأمور دنيا إذا نوى بها الترفع على أبناء جنسه و أقام جاهه و علو شأنه و نحو ذلك، و أعاذ اللّه أبا بكر و عليا و واحدا من الصحابة من ذلك و أعاذنا اللّه من اعتقاد ذلك فيهم بل قام و اللّه أعلم أبو بكر فيما أقامه النبي (صلّى اللّه عليه و سلّم) من إمرته فيه عبدا للّه مؤديا مناسكه ممتثلا أمر نبيه في نصب نفسه إماما يقتدى به تعبدا للّه و تقربا إليه ليس إلا، و كذلك قيامه في خلافته و جميع أموره، و قام علي في المواطن التي أمر رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) فيها و في خلافته كذلك، و هكذا كل منهم (رضوان اللّه عليهم أجمعين).
و الوجه الثالث: سلمنا أن فيها شائبة دنيا لكنها مغمورة مضمحلة بالنسبة إلى ما فيها من التعبد و القربة إلى اللّه تعالى، إذ في ذلك إقامة منار