الرياض النضرة في مناقب العشرة - الطبري، محب الدين - الصفحة ١٣٤ - ذكر اختصاصه بالتبليغ عن النبي
معلوم بالضرورة يشهد له الوجود، فإن رسله (صلّى اللّه عليه و سلّم) لم تزل مختلفة إلى الآفاق في التبليغ عنه و أداء رسالاته و تعليم الأحكام و الوقائع مؤدين لها عنه و مبلغين عنه، و ليسوا كلهم منه، فعلم أن الإشارة و التبليغ في تلك الواقعة، و كان ذلك لسبب اقتضاه، و هو أن عادة العرب لم تزل جارية في نقض العهود أن لا يتولى ذلك إلا من تولى عقدها أو رجل من قبيلته، و كان النبي (صلّى اللّه عليه و سلّم) ولى أبا بكر ذلك على ما تضمنه حديث علي جريا على عادته في عدم مراعاة العوائد الجاهلية، فأمره اللّه تعالى أن لا يبعث في نقض عهودهم إلا رجلا منه إزاحة لعللهم و قطعا لحججهم لجواز أن يحتجوا على أبي بكر بعوائدهم و مألوفهم كما احتجوا عليه (صلّى اللّه عليه و سلّم) في كتاب صلح الحديبية لما قال لعلي: اكتب: بسم اللّه الرحمن الرحيم، فقالوا:
اكتب: باسمك اللهم كما كنت تكتب في الجاهلية، و إن كان المعنى المقتضي لإجابتهم في صلح الحديبية إلى ما طلبوا مفقودا هنا لانتشار أمر الإسلام و علو شأنه و ظهوره و قوة أهله زمن حجة أبي بكر، لكن الإيناس بالمألوف المعروف أقرب إلى انقياد النفوس و أدعى إلى طاعتها، و إذا تقررت هذه المقدمة ثبت أن إرسال علي لم يكن عزلا لأبي بكر رضي اللّه عنه عن إمارته، و إنما عن التبليغ فقط لمقتض اقتضاه كما قررنا، و كان أبو بكر الآمر و الخطيب و الإمام و المعلم مناسك الحج.
و قد صرح علي رضى اللّه عنه لما قال له أبو بكر: أمير أم رسول؟
فقال: بل رسول، و قال بعض منه أشبه قوله قول الرافضة ممن ينتمي إلى التحديث و التصوف إنما صرف النبي (صلّى اللّه عليه و سلّم) إمارة الحج عن علي، لما في الإمارة من شوائب الدنيا تنزيها له، إذ- كان سبيله (صلّى اللّه عليه و سلّم) في أهل بيته إبعادهم عن الدنيا و إبعاد الدنيا عنهم، و إنما كان توليته أمر التبليغ للضرورة التي لا تندفع إلا به كما تقدم تقريره، و هذا القول في هذا الموطن غلط من هذا القائل، و النبي (صلّى اللّه عليه و سلّم) و إن كان سبيله في أهل بيته ما ذكره- فلا يمكن ادعاء هذا المعنى في هذا الموطن لوجوه، الأول: ما فيه من حط