الرياض النضرة في مناقب العشرة - الطبري، محب الدين - الصفحة ١٠٢ - ذكر ما نقم على عثمان مفصلا و الاعتذار عنه بحسب الإمكان
يريدونه على خلعه؛ و أمره أن لا يخلعه، و أكد عليه الأمر بأن لا يخلعه.
و في بعض الطرق أنه توعده على خلعه و أمره بالصبر- على ما تقدم تقريره في خصائصه- فامتثل أمره و صبر على ما ابتلى به. و هذا من أدل دليل أنه كان على الحق؛ و ما ذا بعد الحق الا الضلال!؟ فمن خالفه يكون على الباطل. كيف لا و قد وصف (صلّى اللّه عليه و سلّم) الذين أرادوا خلعه بالنفاق فعلم بالضرورة أن كل ما ورد عنه مما يوجب الطعن عليه دائر بين مفتر عليه و مختلق و بين محمول على تقدير صحته على أحسن التأويلات ليكون معه على الحق تصديقا لخبر النبوة المقطوع بصدقه. هذا ما علم من سابقته و كثرة إنفاقه في سبيل اللّه و شرف منزله بالصهارة الثابتة له في ابنتي رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) و عظم مكانته في الدين و الصفات الجميلة و المآثر الحميدة على ما تضمنه فصل مناقبه، فكيف يتوهم فيه شيء مما ادعاه أهل الأهواء!؟
و البدع و أما كلفه [١] بأقاربه و صلته إياهم و حبه الخير لهم فتلك صفة جبلّة لم يودعها اللّه عز و جل الا في خيار خلقه، و قد كان (صلّى اللّه عليه و سلّم) على مثل ذلك في بني هاشم على ما سنبينه في مناقب بني هاشم و قريش إن شاء اللّه تعالى، و ذلك محمود فيما لم يؤد إلى معصية. و لم يتحقق في شيء مما أتاه عثمان معصية بل له من المحامل الجلية الطاهرة ما يمنع من اعتقاد الحرمة بل الكراهة. غاية ما في الباب أنه ترك الأولى، و ما هو الأفضل اللائق به مما كان عليه الشيخان [٢]، و لعله اعتقد أنه ما لا يشبه الأفضل في زمانه و عصره فلكل عصر حكم. و على الجملة فالذي يجب اعتقاده و لا يحل خلافه أن شيئا مما يسنه عثمان لم يخرج فيه عن الحق و لا عن الهدى تصديقا لشهادة المصطفى (صلّى اللّه عليه و سلّم) و إن كان في شيء من ذلك له هوى فهو هوى بهدى من اللّه عز و جل، و قد وسع اللّه تعالى في ذلك فشهده قوله تعالى وَ مَنْ
[١] شدة حبه المتجلي في إحسانه إليهم، و حرصه على نفعهم، و لكنه: رضي اللّه عنه- لم يجانب الحق في ذلك.
[٢] أبو بكر و عمر: رضي اللّه عنهما.