الإحكام في أصول الأحكام - الآمدي، أبو الحسن - الصفحة ١٥٨ - المسألة العاشرة الخلاف في امتناع نسخ الكتاب بالسنة المتواترة
قلنا : قوله * ( ما ننسخ من آية ) * ( ٢ ) البقرة : ١٠٦ ) إما ان يراد به نسخ رسمها ، أو نسخ حكمها .
فإن كان الأول فهو ممتنع ، فإنه وصف البدل بكونه خيرا منها ، والقرآن خير كله ولا يفضل بعضه على بعض ( ١ ) . وإن كان الثاني فذلك يدل على أن الحكم الناسخ يكون خيرا من الحكم المنسوخ أو مثله .
ونحن نقول إنه لا يمتنع أن يكون الحكم الناسخ ، أصلح في التكليف وأنفع للمكلف .
وأما الوجه الثاني فلا دلالة فيه لان السنة إذا كانت ناسخة فالآتي بما هو خير إنما هو الله تعالى ، والرسول مبلغ ، ولا يدل ذلك على أن الناسخ لا يكون إلا قرآنا بل الاتيان بما هو خير أعم من ذلك .
وأما الوجه الثالث ، فلا دلالة فيه على لزوم المجانسة بين الآية المنسوخ حكمها وبين ناسخه ، لأنه وصفه بكونه خيرا ، والقرآن لا تفاوت فيه ، على ما سبق ، فعلم أن المفاضلة والمماثلة إنما هي راجعة إلى الحكم المنسوخ والحكم الناسخ على ما سبق .
وعلى هذا ، فلا نسلم أنه إذا قال له ما آخذ منك درهما إلا وآتيك بخير منه أنه يدل على المجانسة ، فإن ما هو خير أعم من الجنس ، فكأنه قال آتيك بشئ هو خير مما أخذت منك والمذكور أولا . وإن كان هو الآية والضمير في قوله بخير منها ، وإن كان عائدا إليها فلا يلزم منه المجانسة بين المضمر والمظهر .
وأما الوجه الرابع ، فنحن قائلون بموجبه ، فإن المتمكن من إزالة الحكم بما هو خير منه إنما هو الله عز وجل .
الوجه الثاني أن الآية تدل على أنه لا بد في نسخ كل آية من الاتيان بآية هي خير منها أو مثلها ضرورة الاخبار ، ولكن ليس في ذلك دلالة على أن الآية المأتي بها هي الناسخة لامكان أن يكون بدلا عن الآية الأولى وإن كان الناسخ غيرها .
١ - الخيرية قد تكون في تأثير التالين والسامعين وقد تكون فيما تضمنته الآيات من الاحكام أصولا وفروعا ، ضروريات ومكملات وقد تكون باختلاف أحوال الناس وأطوارهم فيكون حكم في حال وظروف أصلح وأنفع للناس من غيره في تلك الحال ، انظر ما كتبه ابن تيمية على الآية في كتاب جواب أهل اعلم والايمان .