الإحكام في أصول الأحكام - الآمدي، أبو الحسن - الصفحة ٦٩ - النوع الرابع المفهوم
الأول : أن القياس لا يشترط فيه أن يكون المعنى المناسب للحكم في الفرع أشد مناسبة له من حكم الأصل إجماعا ، وهذا النوع من الاستدلال لا يتم دونه ، فلا يكون قياسا .
الثاني : أن الأصل في القياس لا يكون مندرجا في الفرع وجزءا منه إجماعا . وهذا النوع من الاستدلال قد يكون ما تخيل أصلا فيه جزءا مما تخيل فرعا ، وذلك كما لو قال السيد لعبده لا تعط لفلان حبة فإنه يدل على امتناع إعطاء الدينار وما زاد عليه ، والحبة المنصوصة تكون داخلة فيه . وكذلك قوله تعالى : فمن يعمل مثقال ذرة خيرا يره ، ومن يعمل مثقال ذرة شرا يره ( ٩٩ ) الزلزلة : ٧ - ٨ ) فإنه يدل على روية ما زاد على الذرة ، والذرة تكون داخلة فيه ، إلى نظائره .
ولهذا ، فإن كل من خالف في القياس مطلقا وافق على هذا النوع ، من الدلالة ، سوى أهل الظاهر ، ولو كان قياسا ، لما كان كذلك .
وعلى كل تقدير ، فهو منقسم إلى قطعي وظني .
أما القطعي : فكما ذكرناه من آية التأفيف حيث إنا علمنا من سياق الآية أن حكمة تحريم التأفيف إنما هو دفع الأذى عن الوالدين ، وأن الأذى في الشتم والضرب أشد .
وأما الظني : فكما في قوله تعالى : * ( ومن قتل مؤمنا خطأ فتحرير رقبة مؤمنة ) * ( ٤ ) النساء : ٩٢ ) فإنه وإن دل على وجوب الكفارة في القتل العمد ، لكونه أولى بالمؤاخذة ، كما يقوله الشافعي ، غير أنه ليس بقطعي لامكان أن لا تكون الكفارة في القتل الخطأ موجبة بطريق المؤاخذة لقوله ( ص ) : رفع عن أمتي الخطأ والنسيان والمراد به رفع المؤاخذة ، بل نظرا للخاطئ بإيجاب ما يكفر ذنبه في تقصيره ، ومن ذلك سميت كفارة ، وجناية المتعمد فوق جناية الخاطئ . وعند ذلك ، فلا يلزم من كون الكفارة رافعة لاثم أدنى الجنايتين أن تكون رافعة لاثم أعلاهما .
وأما مفهوم المخالفة فهو ما يكون مدلول اللفظ في محل السكوت مخالفا لمدلوله في محل النطق ، ويسمى دليل الخطاب أيضا ، وهو عند القائلين به منقسم إلى عشرة أصناف متفاوتة في القوة والضعف .