الإحكام في أصول الأحكام - الآمدي، أبو الحسن - الصفحة ٦٧ - النوع الرابع المفهوم
ومثاله تحريم شتم الوالدين وضربهما من دلالة قوله تعالى : * ( ولا تقل لهما أف ) * ( ١٧ ) الاسراء : ٢٣ ) فإن الحكم المفهوم من اللفظ في محل في محل السكوت موافق للحكم المفهوم في محل النطق .
وكذلك دلالة قوله تعالى : * ( إن الذين يأكلون أموال اليتامى ظلما ) * ( ٤ ) النساء : ١٠ ) على تحريم إتلاف أموالهم ، وكدلالة قوله تعالى : * ( فمن يعمل مثقال ذرة خيرا يره ، ومن يعمل مثقال ذرة شرا يره ) * ( ٩٩ ) الزلزلة : ٧ - ٨ ) على المقابلة فيما زاد على ذلك وكدلالة قوله تعالى : * ( ومنهم من إن تأمنه بقنطار يؤده إليك ، ومنهم من إن تأمنه بدينار لا يؤده إليك ) * ( ٣ ) آل عمران : ٧٥ ) على تأدية ما دون القنطار ، وعدم تأدية ما فوق الدينار ، إلى غير ذلك من النظائر .
والدلالة في جميع هذه الأقسام لا تخرج من قبيل التنبيه بالأدنى على الاعلى ، وبالأعلى على الأدنى ، ويكون الحكم في محل السكوت أولى منه في محل النطق ، وإنما يكون كذلك إن لو عرف المقصود من الحكم في محل النطق من سياق الكلام وعرف أنه أشد مناسبة واقتضاء للحكم في محل السكوت من اقتضائه له في محل النطق ، وذلك كما عرفنا من سياق الآية المحرمة للتأفيف أن المقصود إنما هو كف الأذى عن الوالدين ، وأن الأذى في الشتم والضرب أشد من التأفيف ، فكان بالتحريم أولى . وإلا فلو قطعنا النظر عن ذلك ، لما لزم من تحريم التأفيف تحريم الضرب العنيف ، ولهذا فإنه ينتظم من الملك أن يأمر الجلاد بقتل والده إذا استيقن منازعته له في ملكه ، وينهاه عن التأفيف ، حيث كان المقصود من الامر بالقتل إنما هو دفع محذور المنازعة في الملك ، وإن كان القتل أشد في دفعه من التأفيف ، ولذلك لم يلزم من إباحة أعلى المحذورين إباحة أدناهما ، ولا من تحريم أدناهما تحريم أعلاهما .
وهذا مما اتفق أهل العلم على صحة الاحتجاج به إلا ما نقل عن داود الظاهري أنه قال إنه ليس بحجة ، ودليل كونه حجة أنه إذا قال السيد لعبده ، لا تعط زيدا حبة ، ولا تقل له أف ، ولا تظلمه بذرة ، ولا تعبس في وجهه فإنه يتبادر إلى الفهم من ذلك امتناع إعطاء ما فوق الحبة ، وامتناع الشتم والضرب ، وامتناع الظلم بالدينار