الإحكام في أصول الأحكام - الآمدي، أبو الحسن - الصفحة ٣٢ - المسألة الرابعة في جواز تأخير البيان
وأما إذا قلنا بامتناع التكليف بما لا يطاق ، فالحق ما قالوه ، وذلك لأنه إذا كان المبين واجبا ، فلو لم يكن البيان واجبا ، لجاز تركه ، ويلزم من ذلك التكليف بما لا يطاق ، وهو خلاف الفرض .
وإذا كان المبين غير واجب ، فالقول بعدم إيجاب البيان لا يفضي إلى التكليف بما لا يطاق ، إذ لا تكليف فيما ليس بواجب ، لان ما لا يكون واجب الفعل ، ولا واجب الترك ، فهو إما مندوب ، أو مباح ، أو مكروه . وكل واحد من هذه الأقسام الثلاثة لا تكليف فيه على ما تقدم ( ١ ) ولا يلزم من القول بالوجوب حذرا من تكليف ما لا يطاق الوجوب مع عدم التكليف أصلا ، اللهم إلا أن ينظر إلى التكليف بوجوب اعتقاده ، على ما هو عليه من إباحة أو ندب أو كراهة ، فيكون من القسم الأول .
المسألة الرابعة في جواز تأخير البيان : أما عن وقت الحاجة ، فقد اتفق الكل على امتناعه سوى القائلين بجواز التكليف بما لا يطاق ، ومدار الكلام من الجانبين فقد عرف فيما تقدم .
وأما تأخيره عن وقت الخطاب إلى وقت الحاجة ، ففيه مذاهب :
فذهب أكثر أصحابنا وجماعة من أصحاب أبي حنيفة إلى جوازه ، وذهب بعض أصحابنا ، كأبي إسحاق المروزي وأبي بكر الصيرفي ، وبعض أصحاب أبي حنيفة والظاهرية ، إلى امتناعه ، وذهب الكرخي وجماعة من الفقهاء إلى جواز تأخير بيان المجمل دون غيره ، وذهب بعضهم إلى جواز تأخير بيان الامر دون الخبر ( ٢ ) وذهب الجبائي وابنه والقاضي عبد الجبار إلى جواز تأخير بيان النسخ دون غيره وذهب أبو الحسين البصري إلى جواز تأخير بيان ما ليس له ظاهر كالمجمل ، وأما ماله ظاهر وقد استعمل في غير ظاهره ، كالعام والمطلق والمنسوخ ونحوه ، فقال يجوز تأخير بيانه التفصيلي ، ولا يجوز تأخير بيانه الاجمالي ، وهو أن يقول وقت الخطاب :
هذا العموم مخصوص ، وهذا المطلق مقيد ، وهذا الحكم سينسخ .
١ - تقدم في مسائل المندوب والمكروه والمباح آخر الكلام على اقسام الحكم الشرعي - ج ١ . ٢ - وذهب بعضهم أيضا إلى جواز تأخير بيان الخبر دون الأمر والنهي كالأمر في الرأيين .