الإحكام في أصول الأحكام - الآمدي، أبو الحسن - الصفحة ٣٠٠ - المسلك السابع اثبات العلة بالطرد والعكس
فإن قيل : بل التعليل بالمركب أولى لما فيه من تعدد مدارك الحكم ، فإنه أولى من اتحاده لكونه أقرب إلى تحصيل مقصود الشارع من الحكم ، فهو مقابل بأن التعليل بالوصف المشترك يكون منعكسا بخلاف التعليل بالمركب من الوصفين في كل صورة ، ولا يخفى أن التعليل بالمطرد المنعكس ، أولى من التعليل بالمطرد الذي لا ينعكس ، للاتفاق عليه ، ولأن التعليل بالوصف المشترك يكون متعديا ، بخلاف التعليل بالمركب من الوصفين في كل صورة ، فإنه يكون قاصرا ، والتعليل بالمتعدية أولى للاتفاق عليها والاختلاف في القاصرة .
والحق في ذلك أن يقال : مجرد الدوران لا يدل على التعليل بالوصف لوجهين :
الأول : أنه يجوز أن يكون الوصف وصفا ملازما للعلة ، وليس هو العلة ، وذلك كالرائحة الفائحة الملازمة للشدة المطربة ، ولا سبيل إلى دفع ذلك إلا بالتعرض لانتفاء وصف غيره بدلالة البحث والسبر ، أو بأن الأصل عدمه . ويلزم من ذلك الانتقال من طريقة الدوران إلى طريقة السبر والتقسيم ، وهو كاف في الاستدلال على العلية .
الثاني : أن الدوران قد وجد فيما لا دلالة له على العلية ، كدوران أحد المتلازمين المتعاكسين ، كالمتضايفين ، وليس أحدهما علة للآخر ، وكذلك فإن الدوران كما وجد في جانب الحكم مع الوصف ، فقد وجد في جانب الوصف مع الحكم ، وليس الحكم علة للوصف .
فإن قيل : نحن لا ندعي أن مطلق الدوران دليل على علية الوصف ليلزم ما قيل ، بل بقيود ثلاثة وهي أن يكون حدوث ذلك الأثر مرتبا على وجود ذلك الوصف ترتبا عقليا ، بحيث يصدق قول القائل : وجد هذا الشئ فحدث ذلك الأثر .
وأن لا يقطع بخروج هذا الوصف عن أن يكون علة وموجبا لحدوث ذلك الأثر .
وأن لا يقطع بوجود علة أخرى لهذا الحكم سوى هذا الوصف . ومهما وجد الدوران على هذه القيود كان دليلا على العلية . وذلك كما إذا دعي الانسان باسم فغضب منه ، وإذا لم يدع به لم يغضب ، ورأينا ذلك منه مرارا ، مرة بعد مرة ، وجودا وعدما ، فإنه يغلب على الظن أن ذلك الاسم هو سبب الغضب ، حتى إن الصبيان يعلمون ذلك منه ، ويتبعونه في الدروب ، داعين له بذلك الاسم المغضب له ،