الإحكام في أصول الأحكام - الآمدي، أبو الحسن - الصفحة ٢٩١ - الفصل الثامن في إقامة الدلالة على أن المناسبة والاعتبار دليل كون الوصف علة
الثاني : وإن سلمنا أن جميع ذلك مخلوق لله تعالى ، فنحن لا ندعي ملازمة الحكمة لا فعاله مطلقا ، حتى يطرد ذلك في كل مخلوق ، بل إنما ندعي ذلك فيما يمكن مراعاة الحكمة فيه ، وذلك ممكن فيما عدا أنواع الشرور والمعاصي ( ١ ) ، ولا ندعي ذلك قطعا بل ظاهرا .
الثالث : وإن سلمنا لزوم الحكمة لأفعاله مطلقا ، ولكن لا نسلم امتناع ذلك فيما ذكروه من الصور قطعا ، لجواز أن يكون لازمها حكم لا يعلمها سوى الرب تعالى .
وبهذين الجوابين الأخيرين يكون جواب الشبهة الثانية .
وعن الثالثة أن وجود الفعل وإن قدر تحقق الحكمة ، غير واجب ، بل هو تبع لتعلق القدرة والإرادة به ، ومع ذلك فالباري لا يكون مضطرا بل مختارا .
وعن الرابعة : أن المقصود حادث ، ولكن لا يفتقر إلى مقصود آخر ، فإنا إنما ندعي ذلك فيما هو ممكن ، وافتقار المقصود إلى مقصود آخر غير ممكن لافضائه إلى التسلسل الممتنع ، وإن كان مفتقرا إلى مقصود ، فذلك المقصود هو نفسه لا غيره ، فلا تسلسل .
١ - الجواب الثاني : أيضا غير صحيح . فان ما ذكر من الاجماع وأدلة العقل والنقل أول الفصل الثامن دل على أن جميع فعال الله وأحكام شرعه مبنية على الحكمة دون فرق بين أنواعها من خير وشر وأمر ونهي ، فالجواب الصحيح أن الافعال مخلوقة ، لله وهي باعتبار صدورها عنه مقتضى الحكمة وموجب العدالة . وان تألم منها العباد وكانت في ظاهرها شرا فقد تكون ابتلاء وامتحانا لرفع الدرجات وتمييز الطيب من الخبيث ، وقد تكون تمحيصا للذنوب وتكفيرا للسيئات ، وقد تكون عقوبة وجزاءا عادلا على ذنب سابق ، وقد تكون لغير ذلك مما لا يعلمه الا الله وقريب من ذلك ما ذكره الآمدي في الوجه الثالث من الجواب .