الإحكام في أصول الأحكام - الآمدي، أبو الحسن - الصفحة ٢٨٩ - الفصل الثامن في إقامة الدلالة على أن المناسبة والاعتبار دليل كون الوصف علة
الخامس : أنه تعالى قد كلف بالايمان من علم أنه لا يؤمن ، كأبي جهل وغيره ، وذلك مما يستحيل معه الايمان ، وإلا كان علمه جهلا . والتكليف بما لا يمكن وقوعه على وجه يعاقب المكلف على عدم فعله ، مجرد عن الغرض والحكمة .
السادس : أن حكم الله هو كلامه وخطابه . وكلامه وخطابه قديم ، والمقصود لا جائز أن يكون قديما ، وإلا لزم منه موجود قديم غير الباري تعالى وصفاته ، وهو محال . وإن كان حادثا ، فيلزم منه تعليل القديم بالحادث ، وهو ممتنع .
السابع : أن خلق الباري تعالى للعالم في وقته المعلوم المحدود ، مع جواز خلقه قبله أو بعده ، وتقديره بشكله المقدر ، مع جواز أن يكون أصغر أو أكبر ، مما لا يوقف منه على غرض ومقصود .
الثامن : أنه لو كان له في فعله غرض ومقصود ، لم يخل إما أن يكون فعله لذلك الغرض أولى من تركه ، أو لا يكون أولى :
فإن كان الأول ، فيلزمه منه أن يكون الرب تعالى مستكملا بذلك الصنع ، وناقصا قبله ، وهو محال ، وإن لم يكن فعله أولى من الترك ، امتنع الفعل لعدم الأولوية .
التاسع : أن الحكم والمقاصد خفية ، وفي ربط الأحكام الشرعية بها ما يوجب الحرج في حق المكلف باطلاعه عليها بالبحث عنها . والحرج منفي بقوله تعالى :
* ( وما جعل عليكم في الدين من حرج ) * .
العاشر : أن وجود الحكمة مما يجب تأخره عن وجود شرع الحكم ، وما يكون متأخرا في الوجود يمتنع أن يكون علة لما هو متقدم عليه .
الحادي عشر : أنه لو كان شرع الاحكام للحكم ، لكانت مفيدة لها قطعا ، وذلك لان الله تعالى قادر على تحصيل تلك الحكمة قطعا . فلو فعل ما فعله قصدا لتحصيل تلك الحكمة ، لكان الظاهر منه أنه فعله على وجه تحصل الحكمة به قطعا ، وأكثر الاحكام من الزواجر وغيرها غير مفيدة لما ظن أنها حكم لها قطعا .
الثاني عشر : أنه لا يخلو إما أن يكون الرب تعالى قادرا على تحصيل تلك الحكمة الحاصلة من شرع الحكم دون شرع الحكم أو لا يكون قادرا عليه :
لا جائز أن لا يكون قادرا إذ هو صفة نقص ، والنقص على الله محال ، وإن كان قادرا على ذلك ، فشرع الحكم وتوسطه في البين لا يكون مفيدا ، بل هو محض عناء وتعب .