الإحكام في أصول الأحكام - الآمدي، أبو الحسن - الصفحة ٢٨٨ - الفصل الثامن في إقامة الدلالة على أن المناسبة والاعتبار دليل كون الوصف علة
فيما اختلفوا فيه ، أو لا مع وجود دليل قاطع ، لا جائز ان يقال بالأول وإلا كان المخالف فاسقا والموافق بالسكوت عن الانكار فاسقا ، ويلزم من ذلك تعميم الفسق بجميع الصحابة ، وهو ممتنع لما سبق من الدلالة على عصمتهم فلم يبق سوى الثاني وهو المطلوب فإن قيل : لا نسلم استلزام شرع الاحكام للحكم والمقاصد ، وذلك لان شرع الاحكام من صنع الله تعالى ( ١ ) وصنعه إما أن يستلزم الحكمة والمقصود ، أو لا يستلزم ، والأول ممتنع لسبعة عشر وجها :
الأول : أن القائل قائلان : قائل يقول بأن أفعال العبيد مخلوقة لله تعالى ، وقائل إنها مخلوقة للعبيد فمن قال إنها مخلوقة لله تعالى فيلزمه من ذلك أن يكون خالقا للكفر والمعاصي وأنواع الشرور ، مع أنه لا حكمة ولا مقصود في خلق هذه الأشياء ، ومن قال إنها مخلوقة للعبيد فإنما كانت مخلوقة لهم بواسطة خلق الله تعالى القدرة لهم على ذلك ، فخلقه للقدرة الموجبة لهذه الأمور لا يكون أيضا لحكمة .
الثاني : أنه لو استلزم فعله للحكمة ، ما أمات الأنبياء ، وأنظر إبليس ، وما أوجب تخليد أهل النار في النار ، لعدم الحكمة في ذلك .
الثالث : أنه لو كان لحكمة ومقصود ، فعند تحقق الحكمة ، لا يخلو إما أن يجب الفعل ، بحيث لا يمكن عدمه ، أو لا يجب : فإن كان الأول ، فيلزم منه أن يصير الباري تعالى مضطرا غير مختار ، وإن لم يجب الفعل فقد أمكن وجوده تارة وعدمه تارة وعند ذلك إما أن يترجح أحد الممكنين على الآخر لمقصود ، أو لا لمقصود فإن كان الأول ، فالكلام فيه كالكلام في الأول ، وهو تسلسل ممتنع .
وإن كان الثاني ، فهو المطلوب .
الرابع : أنه لو كان صنع الرب تعالى يستلزم الغرض والمقصود ، فذلك المقصود إما أن يكون حادثا أو قديما : فإن كان قديما ، فيلزم منه قدم الصنع والمصنوع ، وهو محال .
وإن كان حادثا ، فإما أن يتوقف حدوثه على مقصود آخر ، أو لا يتوقف ، فالأول يلزم منه التسلسل ، والثاني هو المطلوب .
١ - تقدم ما فيه تعليقا ص ٢٨٥ ج ٣ ، وقد يقال هنا إن شرع الاحكام غير الاحكام .