الإحكام في أصول الأحكام - الآمدي، أبو الحسن - الصفحة ٢٨٥ - الفصل الثامن في إقامة الدلالة على أن المناسبة والاعتبار دليل كون الوصف علة
القسم الخامس : المناسب الذي لم يشهد له أصل بالاعتبار بوجه من الوجوه ، وظهر مع ذلك إلغاؤه وإعراض الشارع عنه في صوره ، فهذا مما اتفق على إبطاله ، وامتناع التمسك به . وذلك كقول بعض العلماء ، لبعض الملوك ، لما جامع في نهار رمضان وهو صائم يجب عليك صوم شهرين متتابعين . فلما أنكر عليه ، حيث لم يأمره بإعتاق رقبة مع اتساع ماله ، قال لو أمرته بذلك لسهل عليه ذلك واستحقر إعتاق رقبة في قضاء شهوة فرجه ، فكانت المصلحة في إيجاب الصوم ، مبالغة في زجره . فهذا وإن كان مناسبا ، غير أنه لم يشهد له شاهد في الشرع بالاعتبار مع ثبوت الغاية بنص الكتاب .
الفصل الثامن في إقامة الدلالة على أن المناسبة والاعتبار دليل كون الوصف علة وذلك ، لان الاحكام إنما شرعت لمقاصد العباد . أما أنها مشروعة لمقاصد وحكم فيدل عليه الاجماع والمعقول .
أما الاجماع : فهو أن أئمة الفقه مجمعة على أن أحكام الله تعالى لا تخلو عن حكمة ومقصود ، وإن اختلفوا في كون ذلك بطريق الوجوب ، كما قالت المعتزلة ، أو بحكم الاتفاق والوقوع من غير وجوب كقول أصحابنا ( ١ ) وأما المعقول فهو أن الله تعالى حكيم في صنعه ، فرعاية الغرض في صنعه ، إما أن يكون واجبا ، أو لا يكون واجبا :
فإن كان واجبا ، فلم يخل عن المقصود ، وإن لم يكن واجبا ، ففعله للمقصود يكون أقرب إلى موافقة المعقول من فعله بغير مقصود ، فكان المقصود لازما من فعله ظنا . وإذا كان المقصود لازما في صنعه فالاحكام من صنعه ( ٢ ) فكانت لغرض ومقصود . والغرض إما أن يكون عائدا إلى
١ - تقدم ما فيه تعليقا غير مرة . ٢ - لو قال المعتزلي : أحكام الله من صنعه لقلنا انه بنى تعبيره على مذهبه من أن كلام الله مخلوق لفظه ومعناه ، لكن الآمدي أشعري يرى احكام الله خطابه وانها قديمة غير مخلوقة ، وانها شئ واحد في نفسه ، وان تعددت باعتبار متعلقاتها وتعلقاتها كما تقدم ذلك ص ٢٤٩ ج ٣ فكيف يقول هنا ان احكام الله من صنعه : فكان ينبغي أن يقول احكام الله من شرعه ، إحقاقا للحق وتأدبا مع الله في نسبة صفاته إليه وليسلم من التناقض .