الإحكام في أصول الأحكام - الآمدي، أبو الحسن - الصفحة ٢٧٨ - الفصل الخامس في الحكم إذا ثبت لوصف مصلحي
أما الحجة الأولى فلقائل أن يقول : إن أردت أن مناسبة الوصف تنبني على أنه لا بد في المناسبة من المصلحة على وجه لا يستقل بالمناسبة ، فمسلم . ولكن ، لا يلزم من وجود بعض ما لا بد منه في المناسبة ، تحقق المناسبة . وإن أردت أنها مستقلة بتحقيق المناسبة ، فممنوع . وذلك ، لان المصلحة وإن كانت متحققة في نفسها فالمناسبة أمر عرفي ، وأهل العرف لا يعدون المصلحة العارضة بالمفسدة المساوية أو الراجحة مناسبة . ولهذا ، إن من حصل مصلحة درهم على وجه يفوت عليه عشرة ، يعد سفيها خارجا في تصرفه عن تصرفات العقلاء . ولو كان ذلك مناسبا ، لما كان كذلك ، وعلى هذا ، فلا يلزم من اجتماع المصلحة والمفسدة تحقق المناسبة .
وقوله : غير أنه يمنعني منه مانع . وإن كان صحيحا في العرف ، فليس ذلك إلا لا خلال المانع المفسدي بمناسبة المصلحة ، لا بمعنى أن الانتفاء محال على المفسدة ( ١ ) مع وجود المناسب للحكم .
وعلى هذا ، نقول بأن مناسبة كل واحدة من المصلحة والمفسدة تختل بتقدير التساوي وبتقدير مرجوحية إحداهما فالمختل مناسبتها دون مناسبة الراجحة ضرورة فوات شرط المناسبة ، لا لان كل واحدة علة للاخلال بمناسبة الأخرى أو إحداهما ، ليلزم في ذلك ما قيل .
وأما الحجة الثانية : فلقائل أن يقول أيضا : مهما لم يترجح في نظر الملك وأهل العرف مصلحة ما عينه من أحد الطريقين من الاحسان أو الإساءة بمقتضى الحالة الراهنة ، فإن فعله لا يكون مناسبا ، ويكون بتصرفه خارجا عن تصرفات العقلاء .
وأما الحجة الثالثة فلقائل أن يقول : لا نسلم جواز الجزم بمناسبة ما عين دون ظهور الترجيح في نظر الناظر ، وبعد ظهور الترجيح ، فليس الجزم بمناسبة الوصف في نفس الامر قطعا ، لجواز أن يكون في نفسه مرجوحا ، وإن لم يطلع عليه .
١ - محال على المفسدة - اي راجع إليها ، ناشئ منها ، وليس المراد بالمحال ما يقابل الواجب والجائز العقليين .